المتعة وكلام الناس

المتعة وكلام الناس
المؤلف عيون الخريف
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



بقلم – محمد مقلد


المُتعة في اللّغة العربيّة كلمة تشير في معناها إلى الانتفاع بالشَّيء والالتذاذ به لوقت معين وسرعان ما تنتهى بتبدل الزمن والوقت ، فالمتعة أمر لحظى يمر على الإنسان ويستغرق وقت معين ثم يختفى على أمل العودة مرة أخرى سواء بنفس الصورة أو في أشكال أخرى ،  فالمتعة شعور داخلى يدور حول المنفعة والامتداد، وبلوغ الغاية لوقت محدد ، ففى النهاية هى فرحة أو سعادة داخلية تنجلى مع الوقت.

 

وباختصار فالمتعة  هي شعور داخلي بالرِّضا والبهجة والسعادة والسرور ، الناتجة عن تلبية رغبة أو تذوّق جمال معين ، فهى مصطلح نفسيّ يشير إلى ميل الإنسان الفطري لتحقيق اللّذة وتجنّب الألم كمحرّك أساسي للسلوك ، ومُتع الحياة تتعلق بمباهج الدُّنيا وزينتها التي ينتفع بها الإنسان لفترة مؤقّتة من الزمن ، ومخطئ من يعتقد أن الدين الإسلامى يرفض أن يشعر الإنسان بالمتعة.

 

فهناك يا سادة المتعة الصحية والتى تتماشى مع الدين عندما تُبنى على الاعتدال، وتتحرك في إطار الحلال ، وتؤدي إلى مقاصد إيجابية تقوي الإنسان جسديًا ونفسيًا ، فقد خلق الله تعالى النعم ليستمتع بها الإنسان ، حيث يقول تعالى في القرآن الكريم {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} ، صدق الله العظيم.

 

فالدين يبيح لك أن تستمع بالطعام اللذيذ، والزواج ، وممارسة الرياضة ، والتنزه في الحدائق والأماكن الجميلة ، وذلك كله في حدود معينة دون الوقوع في محرمات الإفراط في أي متعة حتى الحلال منها كالأكل أو النوم ،  فالإفراط في المتعة يضر بالصحة ويتحول إلى سلوك إدماني يرفضه الدين ، ومن بينها على سبيل المثال ،   ألا تؤدي التسلية أو الترفيه إلى تأخير الصلاة ، أو إهمال المسؤوليات الأسرية والعملية ،  ويا حبذا إذا تحولت المتعة العادية كالرياضة أو النوم أو الترويح عن النفس إلى عبادة يؤجر عليها الإنسان إذا كانت نيته تجديد طاقته ليكون فردًا صالحًا ومنتجًا داخل المجتمع.

 

ويعتبر الالتفات والاهتمام المبالغ فيه بآراء وكلام الناس ونظرتهم ، هو القاتل الأول للمتعة الحقيقية ، حيث يتحول الإنسان من التمتع بالعيش لنفسه وسعادته إلى العيش لإرضاء الآخرين وتجنب انتقاداتهم ، فكلام الناس يدمر متعتك ،  فإرضاء الناس غاية لا تدرك ،  فما يراه أحدهم ممتعًا ومباحًا ، قد يراه الآخر تافهًا أو مستنكرًا ، والالتفات لعيون ونظرة الآخرين يجعلك متصلبًا ، وتفقد القدرة على الضحك من قلبك أو الاسترخاء التام ، والوقوع في فخ التصنع ، فقد تجبر نفسك على ممارسة "متع" لا تحبها مثل ارتياد أماكن غالية أو السفر لجهات معينة ،  لمجرد نيل إعجاب المجتمع ، كما أن السعي لتبدو دائمًا رزينًا أو مثاليًا أمام الناس ، يحرمك من متعة العيش بطفولية وعفوية في أوقات فراغك.

 

وتعتبر المتعة الجنسية هى أخطر أنواع المتع والتى دائماً ما تكون سبباً فى تدمير الإنسان نفسياً وجسدياً ، والرجل الذى يقع فريسة لإدمان تلك المتعة يحل عليه الخراب ويختار طريق نهايته مأساوية ، فإذا افترضنا ، أننا أمام شخص ملتزم بعض الشئ يخشى الوقوع فيما يُغضب الله تعالى ، ويلتزم بالحدود التى شرعها الدين ، وفجأة وبدون مقدمات وقعت في طريقة امرأة فائقة الجمال شكلاً ومضموناً ، أمرأه جمالها صعب أن يقاوم لأصحاب النفوس الضعيفة ، وتتهيئ الظروف أمامه لأكثر من مرة لإقامة علاقة جنسية كاملة معها ، ويبدأ الصراع بداخله ما بين المتعة التى تنتظره وهو غارق فى أحضان تلك المرأة اللعوب ، وبين تعاليم دينه التى تمنعه من ارتكاب هذا الذنب الكبير.

 

 ولكن للأسف نفسه الضعيفة جعلته ينهزم أمام غريزته الشهوانية ، وقاده الشيطان للسقوط في الخطأ وعاش بين أحضانها مدة معينة من المتعة ، سرعان ما انتهت وانتهت معها كل ألوان البهجة والسرور والسعادة التى شعر بها لوقت محدد ، وعاد بعدها لنفسه ليتذكر أنه وقع في الخطأ وأنه أغضب الله تعالى ، ويتأكد بأنه عاش حدث زائل بكل تفاصيله ، فالمتعة شعور غير دائم ، سواء كانت متعة جنسية أو مادية أو متعة أثناء زيارة أماكن سياحية وترفيهية جميلة ، وغيرها من ألوان المتع.

 

 فكلها في النهاية شعور نعيشه لوقت محدد ولابد أن ينتهى ، فمن يمتلك المال وعانق كل ألوان المتع ستنتهى حياته تحت الأرض ، والفقير الذى عانا كثيراً طوال حياته لن تختلف نهايته عن هذا الثرى ، وسينهى هو الآخر رحلته تحت الأرض ، إذاً الفيصل هنا هو الزمن الذى يعتقد أصحاب العقول الهاوية أنه سيظل ينتظرهم لتستمر متعتهم ، وفى النهاية يستيقظون على حقيقة واحدة ، أن كل ما كانوا يعتقدون به ما هو إلا سراب لا وجود له إلا داخل نفوسهم الضعيفة التى سيطر عليها شيطانهم.

 

وفى النهاية لا أجد أفضل من أبيات الشعر للأمام على بن أبى طالب رضي الله عنه لأنهى بها مقالى هذا ، و التى أكد من خلالها زوال متع الدنيا مهما كانت سعادتك وإقبالك عليها ، حيث قال.

 

 النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت ... أَنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها

لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها ... إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها

فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها ... وَإِن بَناها بِشَرٍّ خابَ بانيها

أَينَ المُلوكُ الَّتي كانَت سَلطَنَةً ... حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَوتِ ساقيها

أَموالُنا لِذَوي الميراثِ نَجمَعُها ... وَدورُنا لِخَرابِ الدَهرِ نَبنيها


 

وللحديث بقية إذا كان في العمر بقية

تعليقات

عدد التعليقات : 0