بقلم – محمد مقلد
الحب هو أسمى شعور على الإطلاق ، الحب بمعناه العميق النابع من داخل الوجدان
، الذى ينمو بداخلنا منذ الصغر رافضاً أن يزاحمه البغض والكراهية ، الحب الطاهر
المنزه من الشوائب والشهوات الدنيوية والمصالح الشخصية ، وتعتبر الأسرة هى المسئول
الأول عن زرع الحب بمعناه الحقيقى داخل أفرادها ، مما ينعكس بصورته الإيجابية على
المجتمع بأسره ويجعله مجتمع مترابط شديد التماسك لأنه يقوم على الحب لا على البغض
والكراهية.
والرسول الكريم عبر عن قيمة الحب وأهميته فى حديثه
الشريف " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ، و يرتكز
الحب فى المقام الأول على محبة الله ورسوله ، فيخلق إنسان محب لمن حوله ، فالحب
يكون مباحاً إذا حافظ على الإطار الشرعي والعفة، ويهدف للاستقرار الأسري
والاجتماعي ، فهو بلا شك الركيزة الأساسية لبناء مجتمع متماسك يجتمع أفراده على محبة
الله ورسوله أولاً ، حتى ينعكس هذا الحب بدوره ليكون أساس التعامل بين الأفراد ، وتختفى
بذلك الكراهية والحقد والحسد.
والحب له أشكال متنوعة وصور عديدة ، فهناك الحب العاطفى ، الذى يقوم على الحب العائليّ الذى يتولد ما
بين الأهل والأقارب والأبناء ، والذي يظهر بصورة أوضح لدى الأطفال الصغار،
ويشير هذا الحب إلى الشعور الذي ينشأ عن الألفة والمحبة والتبعية، كما يتمثل هذا
الحب فيما يكنه الإنسان تجاه غيره من الناس مثل الأصدقاء ، وهناك حب الذات أو
النفس ، هو الحب الصحي
للذات والرضا عنها بعيداً عن لغة الأنا ، والذى يساعد صاحبه على حب الآخرين.
ومن أشد أنواع الحب وأقواها ، الحب فى الله تعالى ، وهو حب
ناشئ عن التآخي في الله، يزيد بالطاعة وينقص بمعصية الله ، حيث يُحب المؤمن أخاه فى
الدين خالصاً لوجه الله تعالى ، لا لمصلحة
دنيوية ولا شخصية ، بل عن قناعة بإيمان
قوى وتقوى ، وهذا النوع من الحب هو الذى ينشر الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع ويجعله
مجتمع قائم على التسامح والمودة بين أفراده ، وينشر الفضيلة والأخلاق الحميدة ،
ويقضى على الشر ويعلى من قيمة الخير والسعادة البشرية ، ولما لا وقد وعد الله المتحابين فيه بمحبته ، وجعل لهم
منابر من نور، وتظلهم رحمته يوم القيامة.
وهناك كما تعلمون ، الحب الرومانسى
، وهو ليس موضع حديثنا الآن ، لأنه متشعب وله عدة أوجه مختلفة ، ويحتاج لمساحة
أكبر للحديث عنه بشئ من التفصيل ، وبشكل عام هناك أركان رئيسية تؤدي إلى الوقوع في أنواع الحب المختلفة ، وهى ،
الالتزام، والشغف ، والمودة ، فالنتيجة الطبيعية للالتزام والمودة ، الشعور
بحب الصداقة والرفقة ، أمَّا وجود الشغف والمودة يؤدي إلى الوقوع في الحب
الرومانسي، ووفقاً لهذا العالِم فإنَّ وجود اثنين على الأقل من هذه العناصر في
علاقة الحب تؤدي لبناء علاقة متينة ، أمَّا العلاقة التي تتمثّل فيها العناصر
الثلاثة كلها فهي من أقوى علاقات الحب وأندره ، وقلما يحدث هذه الأيام.
ويفصل ما بين الحب ونقيضه خيط رفيع جداً أو كما يقولون ، شعرة معاوية ، فحب
الذات على سبيل المثال إن زاد عن الحد ، خرج عن معناه الحقيقى وتحول لحب الأنا ،
والحب العائلى من الممكن أن يتسبب فى التفرقة بين الأبناء ، ولنا عبرة فى قصة
سيدنا يوسف لتوضيح هذا الأمر ، فعندما فضل سيدنا يعقوب نجله يوسف على أشقائه ،
تولد بداخلهم الحقد والغيرة من شقيقهم حتى وصل بهم الأمر للتفكير فى التخلص منه ، وتلك فى النهاية قدر إلاهى له هدف محدد ، فكان اللقاء والتسامح فى النهاية بين سيدنا يوسف وأشقائه.
وهذا للأسف الشديد يحدث داخل
الكثير من الأسر دون وعى لنتائجه السلبية ، فتجد الأب أو الأم يحابى أى طرف منهما أحد أبنائه على باقى أشقائه
، ويفضله عليهم بالمزايا العاطفية والمادية ، فينمو بداخل أشقائه الحقد والغيره
والكره ، وينتهى الحال إلى الخصام والفرقة بينه وبينهم ، وفى بعض الأحيان يصاب هذا
الابن المدلل بعقدة نفسية تظل ملازمه له طوال حياته ، ربما تصيبه بالكبرياء
والغرور ، وفى بعض الأحيان تجعله يفقد الثقة فى كل من حوله ، فقد تعود على معاملة
خاصة منذ الصغر من أحد الوالدين أو من الاثنين معاً ، ومن المستحيل أن يجد شبيهاً لها فى التعاملات
معه من أفراد المجتمع سواء كانوا غرباء عنه أو من أقربائه ، ومن هنا تتولد المشكلة وتتفاقم مع مرور السنوات.
وللحديث بقية إذا كان فى العمر بقية
