بقلم - محمد مقلد
وجه لنا بعض المتابعين ممن يشرفونا بقراءة الموقع ، سؤال مضمونه ، لماذا لم
نهتم فى قضايا الفساد بنشر أسماء المفسدين والمستندات التى تدينهم ؟ وأننا فى غالب
الأحيان نأتى عند نقطة محددة ونتوقف دون أن نستكمل الحملة على هذا الفساد مهما
كانت كينونته ، ولهم كل الحق فى استفساراتهم ، لأن توجهنا هذا ببساطة ، يتنافى بشكل
قاطع مع مهنة الصحافة ، ولكن هناك ظروف وعوامل سابقة كانت السبب الرئيسى فى هذا
التوجه ، تتعلق بشكل مباشر بأننا لا نبحث عن الضرر بقدر ما نبحث عن تعديل الأوضاع
والاعتراف بالخطأ.
والسبب الرئيسى فى ذلك يرجع لعدة وقائع مررت بها فى السابق ، أجتمع فى
معظمها الفساد مع عناد المفسدين وغرورهم ، فيقودهم هذا العناد إلى السقوط وضياع كل
شئ من أيديهم وتدميرهم وتدمير أسرهم ، ومن أبرز تلك الوقائع التى أتذكرها ، أنه مع
بداية عملى بمهنة الصحافة ، كان هناك مسئول بأحد الأحياء الكبيرة ، يستغل استقدام
عمال نظافة من المحافظات الأخرى ، ليقوم بزيادة العدد عن المتواجد الفعلى منهم وصرف
مبالغ لعمال غير متواجدين إلا على الورق فقط ، ليحتفظ بهذا المال الحرام لنفسه.
وكان هذا المسئول مصاب بالغرور وركب موجة العناد ، عندما حذره بعض المقربين
منه من الاستمرار فى فساده ، لدرجة أنه وصل لمسامعه وقتها أننى عرفت ما يفعله
وربما أتناول فساده بالصحيفة التى كنت أعمل بها ، وخرج وقتها هذا المغرور ، ليعاند
فى الخطأ ويقول جملته الشهيرة " أنا نضيف وأعلى ما فى خيله هو غيره يركبوه
" وكنت وقتها لا أمتلك المستندات التى تدينه ، حتى جاء اليوم ووجدت المقاول
الذى يورد عمالة النظافة لهذا الحى وهو من أبناء محافظة الدقهلية ، يأتى لمقابلتى
، ويعترف أمامى بأن ضميره استيقظ ولا يريد الاستمرار فى مسرحية الفساد الذى يقوم
ببطولتها هذا المسئول.
وكان هذا المقاول هو المسئول عن إعداد الكشوفات الخاصة بالعمالة وينهى كافة
الإجراءات المالية الخاصة بمستحقاتهم ، فاتفقت معه أن أمده ببعض الأسماء بأرقام
بطاقاتهم الشخصية ليضمها للكشوفات وينتظر حتى ينتهى الأمر بشكل كامل ويصدر شيك
بمستحقات العاملين ، فوافق على اقتراحى ، فأحضرت له اسم لواء شرطة سابق كان من
أصدقائى ومدير أحد البنوك ، ومدير مدرسة وغيرهم ، وبالفعل تم إضافة تلك الأسماء
ضمن كشوف عمال النظافة وصدر الشيك الخاص بالمستحقات ، وحصلت منه على كافة
المستندات ، وأتذكر وقتها ، أننى نشرت الموضوع تحت عنوان " لواء شرطة ومدير
بنك عمال نظافة بشوارع المحافظة "
وبمجرد النشر انقلبت الدنيا على هذا العنيد المغرور ، وتم إلقاء القبض عليه
وفصله من العمل ، بل والحكم عليه بالسجن لمدة 3 سنوات لاختلاس المال العام ، وضاع
مستقبله وتشردت أسرته ، وبعد تلك الواقعة قضيت أيام صعبة للغاية ، لا أعرف الطريق
للنوم ، وضميرى موجوع لاتهامى لنفسى بأننا كنت سبباً فى تدمير أسرة بالكامل ، وظل
كل المقربين منى يحاولون إقناعى بأنه رجل فاسد وعناده وغروره هم من قادوه لهذا
المصير المظلم ، وتناسيت هذا الموضوع بصعوبة بالغة ، فكانت تلك الواقعة نقطة تحول
كامل فى طريقة تناولى لأى قضية متعلقة بالفساد.
ومن هنا بدأت أتناول مثل هذه القضايا بحرص شديد ، أبحث عن تعديل الأوضاع
والالتزام بالقانون ، دون أن أصل لنقطة اللارجعة أو الضرر بشكل مباشر ، ومع أن
عناد بعض المفسدين ومحاولتهم المستميتة لإثبات أنهم على حق بالباطل ، يصل لحد
الاستفزاز ، ولكننى أحاول قدر المستطاع ضبط النفس لأقصى درجة ، وأتوقف لفترة لعل
وعسى تستيقظ ضمائرهم ويعترفون بأخطائهم ويحاولون تصويبها ، فالاعتراف بالخطأ ليس
جريمة ، ولكن الجريمة الأكبر أن استمر على خطاه وخطى الشيطان.
وللحقيقة هناك بعض المسئولين يتجاوبون من الوهلة الأولى ويعدلون من أوضاعهم
، وهناك من يحاولون إقناع أنفسهم ومن حولهم بالباطل أنهم على حق ، وأن ما ينشر
بالموقع محض افتراءات وهبد كما يقولون ، وهناك أمثلة عديدة توضح مثل هذه التصرفات
، من بينها على سبيل المثال لا الحصر قضية النقابة التى تناولها الموقع خلال
الفترة الأخيرة ، فقد وصل العناد والغرور لرئيس تلك النقابة والمقربين منه ، بأن
يشككوا فيما نشرناه ، بل ويتعمدوا بعد كل موضوع يتم نشره الظهور على السوشيال
ميديا ، فى محاولة منهم بأن يثبتوا أمام العاملين بأن الأمر لا يعنيهم ، وأنهم
مستمرون فى أفعالهم الخاطئة رغم أنف المعارضين ، فتارة تجدهم يقدمون واجب العزاء ، وتارة يظهرون
للاحتفال بأى مناسبة ، وتارة أخرى ينشرون أى نشاط خاص بتلك النقابة.
فما يشغلهم هو شئ واحد فقط ، تجميل صورتهم أمام العاملين ، مع أنهم فى
الكواليس يتخبطون ، وحائرون بين الاستمرار فى طريقهم المخالف للقانون ، وبين تعديل
الأوضاع والعودة لصحيح القانون واللوائح ومنح الدولة حقوقها ، والتعامل بشئ من
العدالة بين جميع العاملين ، ولكن على ما يبدو أن هذا الطريق صعب عليهم ولاسيما
على رئيس تلك النقابة ، فتعديل الأوضاع سيكون اعتراف رسمى بأنهم بالفعل خالفوا
القانون وطالتهم شبهة إهدار المال العام ، وأنهم بذلك سينتقصون من شأنهم أمام
العاملين ، وربما ينال من رصيدهم فتتأثر بشكل مباشر فرصهم فى الاحتفاظ بمقاعدهم فى
الانتخابات القادمة.
وفى النهاية ، الانتخابات نفسها تأجلت لمدة 6 أشهر وربما يمتد التأجيل
لفترات أخرى ، لحين الانتهاء من تعديل القانون ، وتلك فرصة منحها لهم القدر لعلهم
يصوبون الأخطاء ويكون لديهم حرص أكثر على أموال النقابة ، والاهتمام بمنح الدولة
حقوقها ، وتغيير معاملتهم مع بعض العاملين الغلابة بالالتزام بمبدأ المساواة فى
الخدمات المقدمة للجميع دون محاباة فئة على حساب الأخرى ، فالحل ليس بتغيير
المفاتيح أو استبعاد هذا العضو أو ذاك ، أو الاعتماد على مساندة بعض المسئولين ،
فعندما يصل الموج لذروته ، ستفاجئون بأن المساندون لكم هم أنفسهم أول من يقدموكم
قرباناً ليخلوا مسئوليتهم.
اللهم قد بلغت اللهم فأنت الشاهد
