بقلم – محمد مقلد
انتظرته طويلاً ، كانت تتوقع عودته لأحضانها سريعاً ، أوراق النتيجة تتسابق
وهى تنتظر تلك العودة دون أمل يبعث بداخلها الطمأنينة على مصير رفيق دربها ، فما
زالت تتذكر يوم الوداع ، وتحذيراتها التى امتزجت بدموع الشفقة على المصير الذى
ينتظره ، إلحاحه جعلها رغماً عنها ترضخ لرغبته الجامحة فى خوض التجربة التى ظل
طوال حياته يتهرب منها ، ودعته وهى تعرف النهاية لتلك المسرحية الهزلية التى أصر
على المشاركة لأول مرة فى أحداثها ، مسرحية تجسد بيئة غريبة عنه ولا تشبهه ، يلعب
دور البطولة بها أشخاص معظمهم يتعايشون بضمائر يواريها الثرى تحت القبور ، وأخلاق مغلفة
بالدناسة ، وطباع زرعتها نفوس بشرية لا تؤمن بأن هناك خالق لابد أن نخافه.
طال الانتظار وهى تترقب صدى الأقدام التى تقترب منها ، تتلهف بين الحين
والآخر لرؤيته أمامها ، دموعها شاهدة على معاناتها فى فراقه ، ودعواتها لا تنقطع
ليعود لها كما كان دون أن تتلوث فطرته ، تعرف جيداً قسوة ومرارة تلك التجربة التى
ألقى بنفسه بين جحيم أمواجها ، وفى ظل لوعة الانتظار وما أحاط بها من حزن وألم
وتساؤلات عديدة أرهقت ذهنها ، حقق الله أمنيتها ، فألقى بجسده المنهك بين ذراعيها
، بكاءه لا ينقطع ، أنين أوجاعه يمتزج بأنفاسها ، يديها تتحسس ثنايا شعره برفق لتلامس
دموع قررت أن تفارق عينيها لتعبر عن فرحتها بعودته ، ذاب كلا منهما فى جسد الآخر
من فرط الشوق والحنين وألم الفراق.
حاول قدر استطاعته ألا يسمح بلقاء عينيه بعينيها ، يتهرب من قراءة ما بين نظراتها من عبارات اللوم والعتاب لمخالفته
تحذيرها ، فهو معترف بخطئه ، ولكن لديه ما يجعلها تؤمن بأهمية تلك التجربة ، فبها
جانب مضيئ منحه شعاع من الأمل ، فما هى إلا ابتلاء وضعه الله تعالى أمامه ليتعلم
منه ويكتشف ذاته ويعرف أين تقف أقدامه بشكل محدد دون تزييف أو تجميل ، بدا يعتذر
لها ويعترف بأنها كانت على حق ورؤيتها كانت أكثر نضجاً من عقله الذى عجز عن تقييم
الأمور بالشكل الصحيح.
انتهت حرارة اللقاء ، بعدما نجحت فى تهدأته ، وإخراجه من حالة الحزن التى
سيطرت عليه ، فنظر إليها فشاهد أمامه مدى لهفتها لمعرفة كل ما تعرض له ، الصمت لم
يطيل ، حتى كسر حاجزه كلماته المغلفة بحالة الحزن والألم ، ليس على ما تعرض له من
أحداث قاسية ، فهو والحمد لله خرج من تلك الدوامة أقوى وأشد صلابة ، ولكن حزنه على حال معظم بنى البشر وما وصلوا إليه
من طباع جعلتهم يقدسون الدنيا بواقعها وماديتها ، ويستخدمون كل الأساليب الملتوية
والصفات الدنيئة والتصرفات القذرة للفوز بأكبر قدر من متاع تلك الزائلة.
فمعظم البشر كما تعلمين ، أشعر وكأن الله تعالى خلقهم ليس لعبادته ،
واستغلال الدنيا كمادة مقررة عليهم اتقانها قبل خوض امتحان الآخرة ، فمثل هؤلاء
اختاروا لأنفسهم الرسوب الذى يمنحهم الغرق بين أمواج المتعة والشهوات والمظاهر
الدنيوية ، أقدامهم لا تعرف إلا طريق الشمال وفقط ، ترفض حتى أن تتحسس حلاوة طريق
اليمين بما فيه من مناظر خلابة وطبيعة تسر الناظرين ، ونتيجة لذلك نشاهد الفساد هو
المتحكم فى كل شئ ، الفاسد يخرج لسانه للجميع ، يتصدر المشهد ، ونجده فى الصفوف
الأولى يتزين بأفخم الملابس التى جاءت عن طريق المال الحرام ، صوته عالى ، يصرخ بكلمات
الواثق من نفسه ،" أنا فاسد وحرامى " وله الحق فى ذلك ما دامت بعض
الجهات المنوط بها القضاء على هذا الفاسد ، هى أول من تحميه وتمهد له الطريق
ليستمر فساده ينهش فى اقتصاد البلد.
ووسط انتشار هذا الفساد نجد الظلمة والمتسلطين يطلون برؤوسهم علينا ، فكم من أصحاب المناصب يستغلون مواقعهم
لمجاملة فلان ومحاباة علان على حساب أصحاب الحقوق ، فهناك أشخاص الطريق ممهد
أمامهم لمخالفة اللوائح والقوانين ، تحت ادعاء أن هناك من يسندهم ، وتلك اللوائح
والقوانين تستيقظ فجأة وبدون مقدمات لتتحول لسيف يقطع رقبة الغلابة ممن ليس لديهم
ظهر ، فيتعرضون بلا شك للضرب على بطونهم ، وفى سبيل ذلك انتشر النفاق والنميمة
والكذب والتضليل والشهادة الزور ، وما يبهرك من هؤلاء ، أنك تجد أمامك شخصين من
المفترض أنهما زملاء يتقابلان بوجوه تتبادل الضحكات وبمجرد أن يفترقا يبدأ كل طرف
يلعن فى الآخر ويسبه بألفاظ بذيئة.
حتى الحياة الاجتماعية سقطت هى الأخرى وسط مستنقع يشوبه مياه عكرة ، غرقت فى
أعماقه صلة الرحم ، ولما لا بعدما نجحت شاشات صغيرة فى قطعها ، وتحولت المنازل حتى
فى الأعياد والمناسبات لأطلال تبكى على حالها ، تعيش على ذكرى أيام جميلة مضت ،
وأصبح شعور الوحدة وسط الزحام يسيطر على
الجميع ، وتمكنت الأنا والنرجسية من فرض سيطرتها بصورة مرعبة ، جذبت المصابين بها
للظهور على خشبة المسرح بوجوه متعددة تتقن أدوارها مع ارتداء كل قناع ببراعة
منقطعة النظير.
فها هو الظالم المتعجرف الذى انتزعت الرحمة والشفقة من بين ضلوعه ، يبدو
أمامك بقناع المظلومية والبراءة من أفعاله الشيطانية ، يحاول إيهام المحيطين به
بأنه برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، ويقنع نفسه ومن حوله بأن تصرفاته الغير
مسئولة لم تصدر عنه بل بطلها شخص آخر لا يعرفه ، طباع وتصرفات تجعلك تشك بأن معظم
أفراد هذا المجتمع مصابين بانفصام فى الشخصية ، مرضى نفسيون يرتعون فى الأرض
يحرقون الأخضر بأفعالهم حتى تستمر يابسة جرداء لا تصلح للزراعة.
وأعترف أمامك ، أننى انزلقت لبعض الوقت داخل هذا المستنقع ، واخترت بنفسى
وعن طيب خاطر ، أنا أعيش وسط دوامة لا
ترحم ، ولكن أحمد الله تعالى أنه سخر لى
من ينبهنى فى الوقت المناسب ، حتى لا أغرق بشكل كامل فى تلك الموبقات ، ومع ذلك تعلمت الكثير والكثير من هذه التجربة القاسية ، فما أصعبها تجربة تتعامل من خلالها مع أشخاص ، معظمهم
مصابين بأمراض الأنا والنرجسية وانفصام فى الشخصية ، وآخرين لا يعرفون معنى الأخلاق من الأساس ،
ممن يلجئون للمظاهر الشكلية ليتصنعون بأنهم ولاد ناس وتربيتهم راقية ، وهم فى
الحقيقة أخلاقهم وضيعة ، وبيئتهم ما أقذرها ، وأسلوب حياتهم ينمو على الفضائح ،
وأفواههم لا تعرف إلا قاموس الوقاحة ، وفى
المقابل هناك أشخاص ورغم قلتهم ، ما زال لديهم حياء ، يحافظون على العادات
والتقاليد ، ويعرفون حقوقهم ووجباتهم تجاه
الله تعالى ، مجرد وجودهم يمنحنا بصيص من الأمل فى مستقبل ربما يكون أفضل.
وللحديث بقية إذا كان فى العمر بقية
