وداعاً أيتها العنيدة

وداعاً أيتها العنيدة
المؤلف عيون الخريف
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



بقلم - محمد مقلد


كل هذه الأعوام وأنتِ ترافقينى مثل ظلى ، لم تفارقينى أبداً ، تحاصرينى وكأنى أسيرك أعيش تحت رحمتك ، تبدين أمامى دائماً وأنتِ مرفوعة الرأس بوجه يكسوه الغرور والكبرياء وعظمة الانتصار على شخص ضعيف أمامك ،  تعود منكِ على الأذى والضرر ومع ذلك ظل متيم بك عاشق لقبلاتك التى تنعش قلبه وساعات يومه ، متعلق ولهان بكل تفاصيلك ، أصبح مريض بكِ ، من المستحيل أن يستغنى عنكِ ، أو يقرر ذات يوماً أن يفارقك ليشترى نفسه وراحة باله.

 

فالتعلق الشديد يا سادة ، سواء بالأشخاص أو الأشياء ، ما هو إلا مرض نفسى يعرف علمياً بـ " اضطراب الاكتناز " وهو باختصار يمثل الصعوبة لدى بعض الأفراد للتخلص من أشياء أو أشخاص بعينهم  بغض النظر عن قيمتهم الفعلية لهذا الشخص ، والتعلق بوجه عام هو سلوك نفسى مضطرب يحتاج لوقت ومساحة أكبر لإلقاء الضوء عليه بشئ من التفصيل.

 

ومن الأشياء التى تجسد التعلق الشديد لدى الإنسان هو التدخين ، فهذه الآفة  ما هى إلا شكل من أشكال "التعلق المرضي" (Pathological Attachment)، وتحديداً يندرج تحت بند الاعتماد النفسي والسلوكي الشديد للتعلق المرضي ، يعني أن يرتبط الإنسان بمادة، أو شخص، أو سلوك ،  ارتباطاً قهرياً مدّمراً للذات ، بحيث يشعر بالدونية أو العجز عن ممارسة حياته الطبيعية بدون هذا الرابط التعلقى ، رغم وعيه التام بأضراره.

 

ويُشير علم النفس إلى أن الكثيرين يربطون بين السيجارة وبين الحد من القلق  أو التوتر، أو حتى الغضب ،  ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن عملية أخذ شهيق عميق وزفير أثناء التدخين تشبه تمارين الاسترخاء والتنفس العميق ، مما يمنح المدخن شعورًا واهمًا بالراحة ، أضف إلى ذلك ، ربط عقل المدخن للسجائر بمحفزات بيئية ويومية ثابتة مثل فنجان القهوة الصباحي ، وقيادة السيارة ، وبعد تناول الوجبات ، أو عند التحدث مع الأصدقاء ،  تصبح هذه الأنشطة تلقائيًا محفزات نفسية تتطلب تدخين سيجارة.

 

وتجربتى مع الإقلاع عن التدخين ، رغم أنها تجربة شخصية لا تهم أى شخص ، ومع ذلك قررت نشرها بمقالى هذا لعل وعسى أجد من يسير على نفس النهج ، لينعم الله عليه ليتخلص من هذا التعلق المؤذي ويقلع عن آفة التدخين بكل أضرارها ، فإذا كان القطاع الأكبر يرى أن الأسباب الرئيسية للإقلاع عن التدخين يتمثل في الحفاظ على الصحة من جانب وتوفير المال من جانب آخر ، ولكننى كنت أنظر لهذا الأمر بشكل مختلف ، فقد قررت التخلص من هذا التعلق المرضى ، و الإقلاع عن تلك العادة السيئة لأسباب أخرى تخصنى وهى باختصار 4 أسباب.

 

السبب الأول ، أننى كنت أرى أن التدخين لا يستقيم بأى حال من الأحوال مع الصلاة ، وهذا لا يعنى أننى هنا أفتى بأن المدخنين صلاتهم باطلة ، حاشا لله ، ولكنه رأى شخصى بحت يخصنى وحدى ، والسبب الثانى يعود لإلحاح غير طبيعى من نجلى الصغير سيف الدين ، الذى حاصرنى بضرورة أن أقلع عن التدخين ، والسبب الثالث يرجع لصديقة قريبة جداً جداً لقلبى ، والتى ظلت تنصحنى مراراً وتكراراً بأن أقلع عن التدخين ، وبالنسبة للسبب الرابع فهو أمر مختلف تماماً أفضل أن أحتفظ به لنفسى.

 

عموماً بدأت استشير متخصصين لاتباع الخطوات السليمة للإقلاع عن التدخين ، وعرفت أن الحل الأمثل في البداية الاستعانة بالله تعالى أولاً ، ثم عقد النية والعزم بشكل قاطع للإقلاع عن التدخين دون التعرض لأى انتكاسة ، والمتبع في مثل هذه الحالات ، أن تبدأ بتقليل عدد السجائر التى تقوم بتدخينها يومياً للنصف لمدة 3 أيام ، فأنا على سبيل المثال ، كنت أقوم بتدخين ما يقرب من 30 سيجارة يومياً ، ومن الطبيعى  أن أقوم بتخفيضها لـ 15 سيجارة لمدة 3 أيام ، وهكذا حتى أصل لنهاية الطريق ، ولكنى عزمت على أمر آخر تماماً حيث قلصت عدد السجائر في اليوم الواحد لـ 6 سجائر فقط ، 3 في فترة الصباح حتى الساعة العاشرة ، وثلاثة أخرى أقوم بتدخينها في الفترة عقب صلاة العشاء وقبل النوم.

 

فكنت أرى أننى مختلف في هذا الأمر ، فقد اتخذت قرار الإقلاع عن التدخين أكثر من مرة ، بعد ماراثون طويل وحكايات لا تنته ، فكل مرة  كنت أنوى فيها للتخلص من هذا التعلق المرضى ،  أرى علبة السجائر أمامى وكأنها أمرأه عنيدة ترفع لى حاجبها الأيمن يسبقها ابتسامة صفراء بوجه يكسوه السخرية من قرارى هذا ، ولسان حالها يقول " أبقه قابلنى " ، " مش هتقدر تستغنى عنى " ، " أنا بأجرى في عروقك ودمك " ، وطبعاً كل ده على أنغام موسيقى أغنية " أنا متنسيش أنا " ، وللأمانة في كل مرة كانت تنتصر علىّ ، وظل هذا الأمر يتكرر بينى وبينها ، حتى شعرت أننى بالفعل فقدت كرامتى أمام تلك العنيدة ، وتنازلت عن أشياء كثيرة منها الضرر الصحى والمادى لإرضائها على حساب نفسى.

 

ومن هنا كان لديها اقتناع كامل أن قرارى هذه المرة لن يختلف عن غيره من المرات السابقة ، ومن المستحيل أن استغنى عنها ، ولكنى كسرت هذا الحاجز و نجحت بعون الله وبإرادة قوية في فك تعلقى بها ، فبعد أن قلصت عدد السجائر في اليوم من 30 إلى 6 فقط ، قضيت يومين على هذا الحال ، وقلصت العدد بعد ذلك لـ 4 فقط ، مع تغيير كافة الأنماط السلوكية التى كانت ترتبط معى بضرورة تدخين سيجارة ، من بينها إلغاء فنجان القهوة الذى كنت احتسيه بعد صلاة المغرب ، وعدم تدخين أى سيجارة بعد أى وجبة غذائية ، والانفراد بنفسى بصورة كبيرة بالصومعة الخاصة بى والابتعاد عن الاختلاط بالناس ، وعندما تهاجمنى أعراض التدخين كنت ألجأ لقراءة القرآن ، للتخلص من أعراض الانسحاب والصداع وخلافه.

 

وتمكنت والحمد لله بعد أسبوع واحد من تقليص العدد إلى سيجارتين فقط في اليوم ، واحدة في الصباح والثانية أدخنها عقب صلاة العشاء ، ولجأت للنوم لساعات طويلة ، وإضاعة الوقت في الانشغال في بعض الأعمال الكتابية ، فالموضوع بالفعل صعب جداً ويحتاج لإرادة قوية ، لاسيما وأننى أمارس عادة التدخين السيئة لمدة تجاوزت الثلاثين عاماً، وهنا جاء الوقت الأصعب والأهم للإقلاع عن التدخين ، فلابد من اتخاذ القرار بعدم تناول أى سيجارة لمدة 3 أيام متتالية ، والمعروف أن اليوم الثالث هو اليوم الفارق والأصعب على الإطلاق وتجاوزه يعنى أنك نجحت في مهمتك وتخلصت من تلك العادة السيئة بنسبة كبيرة.

 

لقد وصل عنادى مع السجائر لشراء علبة كاملة ، ووضعها أمامى في الوقت الذى اتخذت فيه القرار للإقلاع عن تدخين بشكل كامل ، وبالفعل مرت الأيام الثلاث ، وكانت بلا شك أيام صعبة للغاية ولاسيما اليوم الثالث ، وكل يوم كنت أقف أمام علبة السجائر في تحدى صارخ ،  وأحدثها وكأنها شخص يسمعنى ويتجاوب معى ، وأنا أردد " لما نشوف آخرتها معاكى ، يا أنا يا أنت " ، وبالفعل نجحت ودهست علبة السجائر تحت أقدامى ، وأنا أردد بصوت الواثق من نفسه المنتصر " وداعاً أيتها العنيدة " ، " وداعاً يا من نلتى من صحتى ونفسى لمدة 35 عاماً كاملة " ، وبكل صراحة ، عقب تلك الخطوة أشعر بارتياح غريب وطاقة لا مثيل لها ، لذلك أنصح كل مدخن استعن بالله و اتخذ القرار ، صدقنى هتقدر.


 

ولنا لقاء آخر إذا كان في العمر بقية  

تعليقات

عدد التعليقات : 0