بقلم
– محمد مقلد
"
ما الدنيا إلا مسرح كبير " عبارة ارتبطت بالفنان القدير يوسف
وهبى ، رددها فى معظم أفلامه ومسرحياته ، وأعتقد البعض أنه مصدرها الرئيسى ،
والحقيقة أن أول من قال "ما الدنيا إلا مسرح كبير" هو الشاعر والكاتب المسرحي
الإنجليزي "وليم شكسبير" وقد وردت هذه العبارة في مسرحياته ، حيث كان
يردد دائماً قوله " الدنيا مسرح
كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون " ، وهي عبارة تعبر عن رؤيته
العميقة لطبيعة الأدوار التي يلعبها البشر في حياتهم.
وهى
حقيقة واضحة تؤكد بكل صدق ، أن كل البشر على وجه الأرض ما بين أبطال وكومبارس
يؤدون أدوار محددة على مسرح الحياة ، أدوار متباينة تختلف من شخص لآخر ، تحمل
أدوار الخير والشر ، والغنى والفقر ، والحب والكره ، وغيرها من صفات متلازمة مع
بنى البشر ، وإن كانت أدوار الشر والكره والحقد يقوم بها أكبر شريحة من ممثلى هذا
المسرح.
وكل
ممثل يشارك فى تلك المسرحية يجسد دور يعكس صفاته وأخلاقه وطريقة معاملته مع
الآخرين بالبيئة المحيطة به ، وهو الدور الواضح والظاهر أمام الجميع ، مع العلم أن
لكل واحد منهم جانب خفى لا يعرفه أحد يحتفظ به لنفسه ، جانب يحمل أموراً سرية يخشى
أن يطلع عليها غيره ، فهو جانب لا يرتبط بأى شكل من الأشكال بدوره الذى يجسده على
مسرح الدنيا ، فالممثل الذى يجسد دور الفاسد أو
الشرير الحاقد ، يعترف فى جانبه الخفى أنه يسير فى درب الشيطان ولكنه يقنع
نفسه وكل من حوله بالكذب والتضليل بأنه على الطريق الصحيح ، ويصف من يعارضوه
بمجموعة من الحاقدين المتربصين.
ويوجد
عدد قليل من الممثلين فُرضت عليهم أدوار غريبة بعيدة عن هذا المسرح ، لا يشاهدها
أحد ، تتطور أحداثها بتفاصيل غامضة ومخيفة
فى نفس الوقت ، لا يدركها إلا من يعيش فيها ، ومثل هؤلاء يخرجون من قالب التمثيل إلى
حقيقة لا تمت بصلة لواقع الحياة ، تفاصيل وأحداث لا تدركها عقولهم بسهولة ، ويبدو
كل ممثل منهم وكأنه مقسوم لنصفين ، نصف يجسد دوره على هذا المسرح كما تتطلب ظروف
الحياة ، ونصف يعيش فى عالم آخر يمثل حقيقة كاملة بعيدة عن لغة التمثيل بكل أنواعه
، عالم من الخيال يحيطه الطمأنينة والأرواح الطاهرة ، عالم وصل إليه بشكل تدريجى
يجعله يقف أمام نفسه يسألها سؤال أصابه بالحيرة ، من أنا ؟
وحتى
يجيب على هذا السؤال الصعب ، يسترجع تفاصيل دوره على مسرح الدنيا ، فلا يجد بينها
إلا صعاب وابتلاءات وأحداث مؤلمة ، ومطبات صعبة يخرج منها بقدرة خفية لا يعلم
مصدرها ، ومع تطور دوره بالرواية المسرحية ، تحاصره أحداث وتفاصيل غامضة ، قلما
تحدث لأى ممثل على خشبة المسرح ، حتى كاد أن يفقد عقله ، ليجد نفسه بدون مقدمات
يدخل فى تجربة صعبة ، تساهم فى فك طلاسم ما يحيط به من رسائل لا يعلم مصدرها ،
وجنود خفية تساعده وتحافظ عليه وتدافع عنه ، وتوجيهات تأتيه من عوالم خفية ، تحدد
له الطريق الذى لابد أن يسلكه ، ليكتشف ذاته ويهرب من على خشبة المسرح لعالمه
الخيالى الجديد والذى تحول بقدرة إلاهية إلى عالمه الوحيد الذى يعشقه ويبحث عنه ،
لدرجة أن أمنيته الوحيدة أن يستكمل سنوات عمره داخل هذا العالم الشفاف بعيداً عن
خشبة المسرح.
الخوف
والرعب يحاصره ، فما يتعرض له غريب وغامض ، يبحث له عن تفسير دون جدوى ، لدرجة
أوصلته إلى أن يشكك فى قواه العقلية ،
وربما قد أصابه خلل نفسى ، فما يحدث معه بعيد كل البعد عن المنطق وإدراك
العقل ، قضى معظم الوقت فى حالة من البكاء والرهبة ، ظل عاجز يحاول إيجاد مخرج لما
هو فيه والعالم الغريب المفروض عليه ، وأصبح فى حيرة من أمره ، فإذا كشف ما يحدث
له أمام أى ممثل على خشبة المسرح ، سيتهمه بالجنون وفقدان العقل ، وربما بالكذب وتأليف
أحداث من وحى خياله.
وللحقيقة
كان يتمنى لو أنه فقد عقله بالفعل ، وأنه يعيش فى وهم وخزعبلات ، وحاول أن يقنع
نفسه بذلك ليخرج من هذه الدوامة التى أرهقته ، ولكن كلما حاول أن يُكذب ما يتعرض
له ، تزداد الأحداث القدرية بصورة تؤكد له أنه يعيش حقيقة لابد من الإيمان بها
والتسليم لها ، وظل الإرهاق يحاصر عقله من التفكير فيما يحدث ، يريد أن ينفجر يبحث
عن كشف ما يتعرض له لشخص يصدقه ليخفف عن كاهله ويتخلص من هذا الضغط النفسى الذى
فاق طاقته و لا يتحمله بشر ، وفى حدود ما هو منوط به كشفه ، أباح بكل شئ لممثل على
خشبة المسرح ، يجسد دور الصديق الوفى فهو أقرب شخص لقلبه فى مسرحية الدنيا.
وشعر
بملامح صديقه ، وكأنه يريد أن يصرخ فى وجهه ، أنت مجنون ، ولكنه ظل صامتاً ولم
يعلق على كلامه بالسلب أو الإيجاب حتى لا يجرح مشاعره ، فكانت الأيام كفيلة بأن
تثبت لهذا الصديق حقيقة كل ما قاله ، فأصيب بالصدمة لا يصدق ما يحدث ، وبدت تتعالى
وتيرة تلك الأمور الغريبة ، حتى جاء اليوم الذى أراد الله تعالى فيه أن يكشف أمامه
السر وراء كل ما تعرض له ، وبشكل مباشر وبدون تعقيدات ، وبطريقة ستظل سراً بينه
وبين الله تعالى حتى يحين الأجل وتعود روحه لصاحبها.
ورغم حالة الخوف والرعب الذى سيطرته عليه فى هذا
اليوم ، إلا أنه شعر وقتها بالسعادة البالغة ، وأن الدنيا ومن عليها من أشخاص
وأحداث وأمور حياتية لا قيمة لها ، ومع ذلك ظل السؤال يطارده ، من أنا ؟ حتى أصل
لتلك المكانة ، ولماذا أنا بالذات ؟ ومن أكون حتى أحظى برعاية من المستحيل أن
ينالها أى ممثل برواية مسرح الحياة ، وماذا قدمت وأنا كنت محاط بالذنوب مثلى مثل
غيرى ؟ وما من يوم يتجه فيه لفراشه للنوم
إلا وسأل نفسه نفس السؤال .... من أنا ؟؟؟؟؟؟؟؟
وليس
للحديث بقية في هذا الشأن إذا كان فى العمر بقية
