google-site-verification: google954c7d63ad8cb616.html
عيون الخريف عيون الخريف
recent

أخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

معتقدات واهية

 

 



بقلم – محمد مقلد


 

كل إنسان يختلف عن غيره من حيث الطباع والصفات الأخلاقية ، ونظرته للحياة بشكل عام ، وهى أمور شعورية تتشكل جميعها حسب الظروف الاجتماعية التى شهدت نشأته منذ نعومة أظافره ، والبيئة التى ترعرع بين أكنافها ، وهناك أشخاص ينبت بداخلهم الإحساس المرهف الذى يجعلهم يتأثرون بأى حدث يتعرضون له ، ومثل هؤلاء ميولهم يكون أقرب للحزن ، لذلك تجدهم يشعرون بمعاناة كبيرة من بعض الأمور الحياتية التى يرفضها واقعهم النفسى.

 

وهناك أشخاص لديهم مشاعر متبلدة ، يشبهون الثلج لا يتأثرون تحت أى ظرف بحرارة الأحداث والمواقف التى تحيط بهم ، وكأنهم يعيشون فى واقع خاص بهم يعتمد على الجمود واللامبالاة والشعور الميت ، ولكن من أصعب الطباع التى فرضت نفسها على المجتمع ، أن معظم الناس يحكمون على الأشخاص بالنظر لأموالهم و مظهرهم  ومكانتهم فى المجتمع ، مع أن الرسول الكريم يقول فى حديثه الشريف  " إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "

 

فمن المؤسف ، أن معظم الناس ممن عانوا كثيراً فى حياتهم حتى وصلوا لمكانة متميزة من حيث المادة أو المناصب ، يحاولون بشتى الطرق مسح ماضيهم ، ولا يريدون أن يتذكروا أيام الفقر والمعاناة ، معتقدون أن تذكر تلك الأيام يقلل من مكانتهم ويحط من شأنهم ، وهى معتقدات يرسخها الشيطان داخل الواهية قلوبهم من ضعيفى الإيمان ، والأمثلة والنماذج على هذا الاعتقاد الخاطئ لا حصر لها ، حتى أصبحت المظاهر الكدابة والمكانة المادية من الشروط المجحفة لاحترام الغير ، وكاتب هذا المقال عاصر أحداث تجسد هذه الاعتقاد الخاطئ ، وتوضح مدى تمسك معظم البشر بالشكليات بعيداً عن الجوهر.

 

فلن أنسى أبدأ ذلك الموقف الذى تعرضت له استعداداً ليوم زفافى ، ففى تلك الفترة نجحت فى أن أحقق نجاحات كبيرة فى عملى بالصحافة ، حتى أصبحت من الشخصيات المعروفة ، وعندما قررت أن أتزوج ، توجهت للأستاذ أحمد شوشة رحمة الله عليه وكان وقتها نقيب التطبيقيين ، وللحقيقة الرجل كان لا يعرفنى ،  وذلك لاستئجار القاعة الخاصة بنادى التطبيقيين لعقد قرانى ، وكنت ارتدى ملابس عادية وهو أمر أعتدت عليه ، وطلبت منه استئجار القاعة ، فحدد سعرها بخمسمائة جنيه ، على أن أسدد 200 جنيه كمقدم حجز ، فطلبت منه إعداد القاعة بالشكل الأمثل نظراً لحضور اللواء سيف جلال محافظ السويس ومدير الأمن وأعضاء مجلس الشعب والشورى ، مع احتمالية حضور المهندس سامح فهمى وزير البترول وقتها ، بجانب معظم القيادات بالمحافظة.

 

وفجأة رأيته ينتفض من مكانه وكأن هناك أمراً أفزعه ، وأخذ يتأملنى بنظرة استهزاء ، وقرأت فى عينيه ، عبارة " أطلع من هنا يا ابنى أنت " وزير ومحافظ أيه باللى أنت لابسه ده ، وواصل سخريته معى بقوله ، إذا حضر المحافظ سأرد لك مقدم الحجز وسأقدم للحضور الوجبات والمشروبات على نفقة النقابة ، وفى يوم الزفاف فوجئ الرجل رحمة الله عليه بأن محيط النقابة تحول لثكنة عسكرية وحضر الزفاف جميع القيادات إلا المهندس سامح فهمى بارك الله فيه ، والذى اكتفى بمهاتفتى خلال الحفل لتهنئتى مع إرساله بوكية ورد ، وفى اليوم التالى توجهت لمكتبه ، وأنا أرتدى نفس الملابس ، ففوجئت به ينتفض من مكتبه ويتوجه ناحيتى وهو يردد " أتفضل يا محمد بيه " وسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال.

 

وعقب مغادرتى مكتبه أصابنى حزن شديد ، ألهذه الدرجة يقاس معادن الناس بملابسهم ومكانتهم بالمجتمع ؟ مجتمع واهى مفكك يقوم على عادات بالية لا قيمة لها أمام الله تعالى ، وكان لهذا اليوم تأثير كبير على حياتى كلها ، وعرفت السبب الرئيسى فيما وصلنا إليه من انحدار فى كل شئ ، وتمسكت بشكل أكبر بأن أتذكر دائماً الحياة الصعبة التى عشتها منذ طفولتى ، ودائماً أعتز وأفتخر بها ، وأقصها على أبنائى بين الحين والآخر ، دون أن أتبرئ منها ، فما دمنا نهتم بالنظر للأشياء من الخارج دون أن نعرف قيمة جوهرها ونحاول أن نمحو ماضينا ونهتم بالشكليات سنظل محلك سر وسيتبخر من بين أيدينا المعنى الحقيقى للإنسانية.


 

وللحديث بقية إذا كان فى العمر بقية  

 

 

عن الكاتب

عيون الخريف

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

عيون الخريف