بقلم – محمد مقلد
تابع معظمنا خلال الأيام القليلة الماضية قضية سقوط صبرى نخوخ ومن هم على
شاكلته من اتباعه ، وانحصرت الاهتمامات فى تلك الواقعة فى دائرة البلطجة وغسيل
الأموال وتجارة السلاح والمخدرات وخلافه من القضايا التى يعاقب عليها القانون ،
والبعض أرجع السبب فى القبض على نخنوخ ، بأنه وصل لمرحلة التجبر وإنشاء إمبراطورية
للبلطجة أصبحت تهدد أمن البلاد ، استفزت الكبير قبل الصغير ، والبعض الآخر اعتقد
أن السبب الرئيسى فى انهاء اسطورة نخنوخ
لرفضه بيع حصته من شركة فالكون ، ومهما كانت الأسباب فلابد أن نعترف
أن نخنوخ ما هو إلا فرد داخل إمبراطورية أبليس.
تلك الإمبرطورية التى تمثل عالم آخر غريب له قوانينه الخاصة وعاداته
وتقاليده التى وضع ملامحها أبليس بنفسه ، فهو الوحيد الذى يمتلك مفاتيح أبوابها ، ولا
يجرؤ أحد مهما كانت قوته أن يتجاوز هذه الأبواب ليعيش داخل تلك الإمبراطورية إلا
بموافقته ، فإذا كان الواضح أمامنا أن المجتمع المصرى عبارة عن طبقتين يمثلان
النصيب الأكبر من قوامه البشرى ، طبقة
الموظفين ممن يترقبون شهر يوليو من كل عام لاستقبال العلاوة السنوية بالأحضان والقبلات
الحارة ، وطبقة أخرى أدنى يرفع أفرادها
شعار " عشانا عليك يا رب " ، فهناك طبقة ثالثة ، مغلقة على أصحابها من رفقاء إبليس الذين رضخت
تحت أقدامهم كل متاع الدنيا من مال ونساء وسطوة ونفوذ وخلافه.
فمجتمع إمبراطورية أبليس يمثله مجموعة من الفنانين وأصحاب الصفوة والنفوذ
من رجال الأعمال وأفراد الحراسات الخاصة وغيرهم ،
مجتمع يتمسك بطباع وتقاليد محددة لا يحيد عنها ، فإذا كان اليوم بصورته
الطبيعية لمعظم أفراد هذا الشعب ، يبدأ مع بزوغ الخيط الأبيض لتبدأ المعركة
اليومية مع العمل والبحث عن لقمة العيش ، فإن تلك الإمبراطورية على النقيض تماماً
، حيث يبدأ يومها بتوديع النهار ليتحول أفرادها لشعلة نشاط مع ساعات الليل وآخره
كما يقولون.
وإذا كنا أمام عامل بسيط هجره النوم ، ليراقب أطفاله وهم نيام ليدعوا الله
تعالى أن يرزقه من أجلهم ، وموظف هو الآخر خاصم النوم عيناه ولا سيما مع اقتراب
شهر يوليو ، لانشغاله بالحسابات المتعلقة بالنسب المئوية الخاصة بالعلاوة السنوية
وأحلامه فى توفير ما يسد احتياجاته واحتياجات أسرته ، نجد فى ذات اللحظة آلاف
الجنيهات والدولارات يلقى بها مجموعة من السكارى تحت أقدام أمرأة حسناء
تتمايل بجسدها العارى يميناً ويساراً ، أو تلك الدلوعة التى تقدم لهم أجود أنواع
الخمور لتغيب معها عقولهم ، معادلة صعبة لا تمت بصلة بأننا خُلقنا درجات ، وفى
النهاية لا يحاسب على فاتورة الضياع إلا المغلوب على أمرهم من أفراد هذا الشعب.
فهذه الإمبراطورية يا سادة تقوم
على الخمر والجنس وأشياء أخرى ، تحتاج لصفات خاصة حتى تتأقلم عليها ويفتح لك أبليس
أبوابها ، وكاتب هذه السطور شاهد عن قرب ولفترة قصيرة للغاية كل ما يدور داخل تلك
الإمبراطورية ، فمع بداية عملى بمهنة البحث عن المتاعب وخلال إقامتى بالقاهرة ،
كنت مثل القروى الساذج الذى أبهرته أضواء المدينة ، فقررت أن ألتحق للعمل بقسم
الفن بصحيفة النبأ ، حتى شاهدت فى هذا العالم الغريب ما لم تشاهده عيناى من قبل ،
ولكنى شعرت أن استمرار العمل بهذا القسم سوف يقودنى لطريق الضياع.
ومع طبيعة هذا العمل كنت مجبر للتردد يومياً على المسارح من بينها على سبيل
المثال مسرح السلام والبالون وغيرها ،
لعمل لقاءات وحوارات صحفية مع الفنانين ، وتعرضت لمواقف مهينة من بعضهم كان
من أصعبها على نفسى موقف مع الفنان أحمد راتب ، وهذا لا يمنع أن معظمهم كان تعامله
يشوبه الرقى والذوق وعلى رأسهم على سبيل المثال لا الحصر عزت العلايلى وسمير صبرى
وأحمد بدير ويسرا وآثار الحكيم.
وتعرضت داخل بعض المسارح والأماكن
الأخرى لمواقف وأمور من بعض الفنانات ولاسيما من هن فى بداية الطريق ، جعلتنى أؤمن
أننى اخترت طريق لا يناسبنى على الإطلاق ، وطبيعة شخص مثلى لن تتحقق طموحاتها فى
العمل الصحفى من خلال القسم الفنى ، وتأكدت بصورة أكبر أننى فى المكان الخطأ بعد
ترددى على الفنادق الكبرى والملاهى الليلية والكازينوهات الخاصة ، وشاهدت بعينى
تلك الإمبراطورية التى يتحكم فيها أبليس ويحركها كيفما شاء.
وكان لدى زميل يرافقنى بين الحين والآخر يعمل بقسم الفن أيضاً ولكن فى
صحيفة أخرى ، يعشق تناول الخمور ومصاحبة النساء ومن بينهن بعض الفنانات ممن كن فى
بداية طريقهن الفنى ، والغريب أنه كان يفتخر بذلك ، وللعلم هذا الزميل أصبح بعد ذلك رئيس تحرير إحدى
الصحف الحزبية ، عموماً لاحظ هذا الزميل
أننى أعانى كثيراً للتأقلم على العمل فى تلك البيئة الغريبة ، فكان دائماً يشجعنى
، ويصطحبنى معه لأماكن ليلية يسهر بها الفنانين والمطربين ورجال الأعمال وغيرهم
ممن هم على شاكلة صبرى نخنوخ ، وكنت أشاهد آلاف الجنيهات تتناثر تحت أقدام
الراقصات ، غير الأموال التى يغدقها هؤلاء المراهقين على من يطلقن عليهن " الركلام
".
وتعرضت خلال تلك السهرات الشيطانية
لعدة مواقف محرجة من بينها أننى طلبت فى إحدى السهرات تناول عصير ، ففوجئت بزميلى
ومعظم المحيطين بنا يضحكون بسبب طلبى هذا ، فالمكان لا يقدم إلا الخمور وفقط ،
وهذا ما دفع زميلى هذا لاصطحابى فى نفس الليلة لأحد البارات بشارع عماد الدين ،
وطلب منى أن أتناول كمية قليلة من الخمور مقدمة فى كأس صغير ، حتى أتشجع وأواكب البيئة
التى أعمل بها ، وبالفعل غوانى الشيطان
وتناولت القليل منها ، وكانت تلك الليلة من أصعب اللحظات التى مرت علىّ فى حياتى
كلها ، حيث قضيت يومين كاملين وأنا فى غيبوبة تامة لا أشعر بما يدور حولى.
وكانت تلك الحادثة مثل جرس الإنذار الأول الذى جعلنى أفكر بجدية فى الهرب
من هذا الجحيم ، حتى جاء اليوم الذى اصطحبنى فيه هذا الزميل لفيلا بمنطقة المعادى
لممثلة كانت فى بداية حياتها الفنية والتى أصبحت من مشاهير الفن بعد ذلك ، وحدثت
أمور داخل تلك الفيلا لا أريد الحديث عنها ، ولكنها كانت البداية الحقيقية لإتخاذى
القرار النهائى لترك العمل بقسم الفن بلا رجعة ، فالبيئة المحيطة بهذا المجتمع صعب
للغاية أن أتأقلم عليها ، ومن يومها أيقنت أن فى مصر طبقة تغرد منفردة خارج السرب
، أختار معظم أفرادها أن ينعموا بمتاع الدنيا وملذاتها داخل أسوار إمبراطورية
أبليس ، تلك الإمبراطورية التى لن ولم
تتوقف على صبرى نخنوخ أو غيره مهما كان أسمه أو نفوذه ، فالأشخاص بها
زائلون وهى مستمرة بعاداتها وقوانينها الخاصة التى تخالف عاداتنا وتقاليدنا التى
تربينا عليها.
ولنا لقاء آخر إذا كان فى العمر بقية
