بقلم – محمد مقلد
أثبتت جميع التجارب فشل العلوم النفسية والسلوكية فى وضع مفهوم كامل لطبيعة
الإنسان وماهيته ، بما فيها علم الانثروبولوجيا نفسه ، وهو العلم
الذى يهدف إلى فهم أصول البشر، وتطورهم البيولوجي وسلوكياتهم وثقافاتهم ، وكيفية
تكيفهم مع البيئات المختلفة ، فالإنسان كما هو معروف يتكون من شقين ، أحدهما مادى
وهو التراب والثانى روحى ، وهذا ما وضحه الدكتور مصطفى محمود رحمة الله عليه بشكل
دقيق ، عندما أكد أن طبيعة الإنسان يحكمها التناقض ، حيث يجمع بين قبضة من طين
تجذبه للأرض ، ونفخة من روح تشده للسماء.
وخلال الفترة القليلة الماضية تعمقت بصورة أكبر فى القراءة عن طبيعة الإنسان
وصراعه مع الحياة ، وأعترف أننى خرجت ببعض المفاهيم العلمية التى تدور حول هذا
الكائن الذى خلقه الله تعالى ليكرمه فى الأرض ، بعدما حباه بعقل ليميزه عن باقى
الكائنات الحية ، ومع ذلك ظل مفهوم الإنسان وتحديد طبيعته بصورة دقيقة وثابتة أمر
معقد للغاية ، ويرجع ذلك كما هو معروف لعدة عوامل تحيط بالإنسان نفسه منذ اليوم
الأول لولادته حتى وداعه لهذه الدنيا ، من بينها أن المجتمعات البشرية تتغير عبر
الأزمان المختلفة ، فضلاً عن اختلاف المجتمعات نفسها ثقافياً وسلوكياً ، أضف إلى
ذلك تباين النشأة من إنسان لآخر.
فقد خلق الله الإنسان فى قالب طينى مادى ونفخة من الروح ، ومن هنا ومع
ولادته وانفصاله عن التعلق برحم أمه ومواجهته الحقيقية مع الحياة ، يبدو نقياً
طاهراً لأنه لم يدخل بعد عالم المؤثرات المحيطة به من سلوكيات أسرة وطباع وعادات
مجتمع لابد أن يحتك به ، ويجد نفسه رويداً رويداً يدخل حلبة الصراع بين المادة
والروح ، ويشتد هذا الصراع بصورة أكبر مع نموه الطبيعى واجتياز عمره العام تلو
الآخر ، وهو بلا شك صراع رهيب يستنزف قواه النفسية والعقلية ، فهناك حاجات جسدية
مادية ملحة تجذبه لعالم الأرض وتواجدها ضرورة مثل المأكل والمشرب والملبس وخلافه ،
وكلها أمور تدفعه للبحث عن المال ، وبينها وبين الرضوخ للغريزة شعرة واحدة ، تلك
الغريزة التى تصور له أن البقاء دائم بلا نهاية ، فيستسلم لملذاته الحسية وشهواته
الدنيوية وبذلك يفضل الانغماس فى هذا العالم دون حتى التفكير فى الجانب الروحى.
وإذا كانت نظرة الإنسان المادية للحياة لا تخرج عن كونها نظرة سطحية للواقع
الملموس أمامه والذى يشاهده بعينيه ، فالجانب الروحى يجعله يفكر فيما وراء تلك
الأشياء المادية ، ويسمو بنفسه ليبحث عن الأخلاق والاتصال بالخالق ، والإنسان ضعيف
النفس سيستسلم بإرادته الكاملة للعالم المادى ليُشبع رغباته وشهواته الدنيوية ،
ومن هنا يفرض على حياته الفراغ الروحى ، وبالتالى تظل نفسه متعلقة بأمور تجعله
دائماً فى حالة من القلق والاضطراب خوفاً من تأثر حياته المادية التى تعلق بها ،
لذلك نجد أن النسبة الأكبر من بنى البشر مصابين بأمراض نفسية تختلف من شخص لآخر.
وأنا هنا لا أدعو بأى شكل من الأشكال لتغليب جانب على الجانب الآخر ، فلإنسان
الروحانى الذى يتعمق لمعرفة ما وراء الأشياء الواقعية ، ويبحث دائماً عن الشفافية
وسمو الأخلاق والاتصال الدائم بخالقه ، لا يستطيع تحت أى ظرف أن يلفظ المادة بصورة
كاملة ، ولكن كل ما عليه أن يوجهها لمسارها المشروع ليستفيد من الصالح منها
ليستكمل رسالته الروحية ، فنحن فى النهاية بشر ولسنا ملائكة ، لذلك يكون التوازن
هو السبيل للخروج من هذا الصراع ، ومن هنا يأتى دور العقل ، الذى يحكم ويوازن بين
الجانبين المادى والروحانى ، وهذا ما يفسر لنا بشكل واضح لماذا كرم الله الإنسان
عن باقى المخلوقات بالعقل.
وفى بعض الأحيان يغرق الشخص الروحانى فى مراحل حياته الأولى ولاسيما بمرحلة
الشباب فى بحر العالم المادى وشهواته بمختلف أنواعها ، وفى الوقت المناسب تستيقظ روحه بقدرة الخالق وبعوامل
مختلفة ، من بينها شعوره بالملل حتى ولو كان يملك أموال طائلة ، حيث يظل يطارده بشكل دائماً ، أن هناك شيئاً ما
بداخله مفقود ، ومنهم من يتعرض لصدمة كبرى تجعله يستفيق من غفلته ، وربما تحيطه ابتلاءات
لا حصر لها ، تنير له الطريق ليكتشف سموه الروحى ، حتى يبدأ مراحل الارتقاء فى هذا
الجانب السامى من خلال علامات إلاهية محددة.
فالإنسان الروحانى فى غالب الأحيان يكون غارقاً في المعاصي
، خاصة في النصف الأول من حياته ، أو خلال
فترات الضعف البشري ، فالروحانية ليست عصمة من الخطأ ، بل هي طبيعة تأسيس وتهيئة ،
تجعل صاحبها يعيش الصراع بشكل أعنف من
غيره ، حيث يعيش هذا الشخص حالة من التأرجح الحاد بين قمة السمو الروحي وقاع الهبوط المادي ، وهذا
الشخص دائماً ما يحاول الهروب من مواجهة نفسه ، و قد يظن أنه سيجد هذا الهروب في تناول
المخدرات ، أو العلاقات العاطفية العنيفة ، حتى يقع في المعصية ليس حباً فيها ، بل
يحاول توجيه هذه الطاقة الروحية المكبوتة نحو الشهوات وملذات الدنيا.
وهناك نماذج وأمثلة عديدة ، تؤكد تحول حياة الأشخاص الروحانيين ، وغرقهم فى المعاصى فى بداية حياتهم ، من بينهم على سبيل
المثال ، مالك بن دينار ، فقد بدأ حياته شرطياً غارقاً في المعاصي والظلم وشرب الخمر ، حتى جاء اليوم ورزقه الله بطفلة
أحبها حباً شديداً ، وكانت كلما تراه يريد شرب الخمر تدفع الكأس بيديها الصغيرة ،
وبعد عامين من ولادتها ماتت الطفلة ، فكانت صدمته كبيرة ، حتى رأى فى منامه أهوال
القيامة ، فعاد عن طريق المعصية واختار طريق السمو الروحى والارتباط بخالقه.
وهناك أيضاً ، إبراهيم بن أدهم ، الذى أطلق عليه عقب توبته
" سلطان الزاهدين " فقد كان
أميراً وابناً لملك ، يعيش في قصور وغارقاً في ملاذ الدنيا، وحياة الترف ، والمظاهر
المادية الزائلة ، بينما كان في رحلة صيد
يطارد ثعلباً ، سمع صوتاً خفياً يقول له "يا
إبراهيم، ألهذا خُلقت ؟ أم بهذا أُمرت ؟ تكرر الصوت دون أن يعرف مصدره ، فوقف مفزوعاً
ونزل عن حصانه ، ومن يومها تغيرت حياته بشكل كامل وترك حياة المادة والترف وعاش
روحانياً قلبه يتعلق فقط بخالقه.
وبشر بن الحارث ، كان شاباً ثرياً ، يعيش حياة لاهية ، غارقاً
في المجون والشراب ، وفى أحد الأيام مر أحد الصالحين بباب بيته وضوضاء الموسيقى
والرقص والغناء تخرج منه ، فسأل الجارية ، صاحب هذه الدار حرٌ أم عبد ؟ فقالت "بل
حر"، فقال الرجل الصالح ، "صدقتِ ، لو كان عبداً لاستحي من سيده ،
وما إن سمع بشر تلك العبارة ، حتى وقعت في
قلبه كالصاعقة ، وخرج يركض خلف الرجل حافياً ، ولكنه لم يجده ، فتحول بشر منذ هذا اليوم من حياة الترف والمجون
إلى واحد من أكبر العارفين بالله ، واشتهر بورعه الشديد وصفاء سريرته.
أما الفضيل ابن عياض ، والذى كان يلقبونه بـ " عابد
الحرمين " فقد كان واحداً من أخطر قطاع الطرق في عصره ، يسرق
القوافل ليلاً ، لكن كان لديه حس روحاني مدفون ، فكان لا يهتك ستراً ولا يسرق كل
ما مع القافلة ، وفى أحد الأيام كان فى طريقه لعمل فعل محرم ، فسمع رجلاً يصلي
بالليل ويتلو قول الله تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ
قُلُوبُهمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} ، فأصابت
كلمات تلك الآية الكريمة روحه ، فبكى وقال
، "بلى يا رب قد آن" ، وبعدها انطلق إلى مكة وعاش جوار الكعبة حتى لُقب بـ
"عابد الحرمين"، وأصبح من كبار العلماء والزهاد الذين تُنقل عنهم أعمق
المواعظ الروحية.
وللحديث بقية إذا كان فى العمر بقية
