بقلم – محمد مقلد
المقارنات مرض نفسى مصاب به معظم الناس ، بعضها صحى والكثير منها يجلب عليك
المتاعب ويصل بك للإكتئاب والإحباط العام ، ومعظم الدارسات التى تحدثت حول هذا
الأمر تؤكد أن النساء هم الأكثر إصابة بهذا المرض ، فتجد مثلاً إمرأة متزوجة تقارن
بين معيشتها مع زوجها وحياة غيرها من النساء ، وتبدأ تعدد ما عند غيرها من
امتيازات دنيوية غير متوفرة لديها ، وفى النهاية يكون الزوج هو الضحية ، ومن هنا
تبدأ المشاكل الزوجية التى لا تنتهى.
ولم تتوقف مقارنات النساء عند هذا الحد ، بل تصل فى كثيراً من الأحيان إلى
مقارنة نفسها بغيرها من النساء فى الوسامة والملابس ، علماً بأنها تعلم جيداً أن
الوسامة والشكل الآدمى من صنع الله تعالى ، ولكنها للأسف الشديد تحاول أن تعوض ما
تشعر به من نقص فى هذه النقطة بالذات بالكثير من المكياجات والملابس المثيرة ، حتى
تصل لدرجة أنها تتحول لإمرأة منبوذة من المجتمع الذى تعيش فيه ، وبصراحة شديدة أنا
أشفق على أى زوج يعيش مع زوجة لديها مثل
هذه المقارنة التى تحط منه وتقلل من قدره وقيمته بين الناس.
فالحقيقة أن المقارنات التى تلجأ إليها معظم النساء فى حياتهن تحتاج لمساحة
أكبر ووقت أطول لسردها ، ولكن المشكلة الحقيقية هنا ، أن معظم المقارنات تنصب على
أشياء دنيوية ومظاهر شكلية وأمور ليست بالأهمية القصوى حتى تستمر الحياة بصورة
هادئة ، مقارنات تجلب المشاكل الأسرية والخلافات الزوجية ، وفى بعض الأحيان تصل
إلى هدم الأسرة بالكامل ، فهؤلاء الناقصات العقل والدين لديهن خلل نفسى يدفعهن للجوء
للمقارنات ليل نهار دون وعى أو عقل يفكر بحكمة ، وقلما تجد نساء يعقدن المقارنات
مع غيرهن من حيث التدين والملابس المحتشمة أوحتى التعليم والثقافة.
وهناك مقارنات بين مسئولين وعصور وأماكن وغيرها ، فتجد على سبيل المثال مجموعة من الموظفين
ابتلاهم الله تعالى برئيس فى العمل ظالم ، يميل للمحسوبية والمجاملات ، وينتظرون
بفارغ الصبر أن يأتى اليوم للتخلص منه ، ولكن للأسف الشديد فى غالب الأحيان يحل
محله من هو أسوأ منه ، ففى هذا العصر نلاحظ
أن القادم فى المستقبل دائماً ما يكون أسوأ ، اللهم إلا فى حالات نادرة ،
فيجدوا أنفسهم أمام مقارنة تميل لمن كانوا يتهمونه بأنه ظالم ، وتتعالى أصواتهم
بأن المسئول الظالم الذى تركهم أرحم ممن يتعاملون معه فى الحاضر ، ويتداولون فيما
بينهم عبارة " ولا يوم من أيامك يا فلان "
وإذا كنا الآن نعيش فى عصر التكنولوجيا والتطور الرقمى ، فنحن أصبحنا أمام
مقارنة واضحة بين عصور مضت كانت تعتمد فى المقام الأول على العنصر البشرى
وابداعاته ، وبين آلات نعتمد عليها فى ترتيب أعمالنا ورسم المستقبل لأجيال مظلومة
سيضيع أحلامها مع هذا التطور الآلى ، فكل شئ فى هذا العصر تحول إلى " تيك أواى
" فى الصناعة والتعليم والصحة وغيرها من المجالات ، حتى الصحافة نفسها أصبحت
" تيك أوى " تعتمد على مقاطع فيديو تنشر هنا وهناك ، حتى ضاع الإبداع
البشرى بشكل واضح ، ولكنى أؤمن بأن هذا التطور التكنولوجى ، سينتهى يوماً ما إن
عاجلاً أو آجلاً ، وسينتصر فى النهاية العقل البشرى.
ومن المقارنات أيضاً التى لا أستطيع أغفالها ، الأخلاق والطباع ، فهناك بون
شاسع بين طباع البشر فى هذا العصر وطباعهم فى عصور مضت ، ففى هذا العصر ضاعت
المودة والحب من قلوب السواد الأعظم ،
وارتفع صوت الأنا والمصلحة الشخصية حتى بين الأقارب أنفسهم ، فتزايدت حالات قطع
صلة الرحم ، ورفع معظم الناس شعار " نفسى نفسى ومن بعدى الطوفان " ، وتلك
الطباع بلا شك أثرت بطبيعتها الذميمة على المناسبات الاجتماعية والدينية التى نحتفل
بها سنوياً ، فبالله عليكم ، هل فرحتكم بشهر رمضان ولياليه الجميلة المبهجة مثلها
مثل عصور سابقة ، والغريب أننا نجد فى الأعياد النساء فى المنازل يقطعن شوطاً
طويلاً من الوقت والجهد فى تنظيف وترتيب منازلهن مع أنهن يعلمن جيداً أن لا أحد سيزورهم ، عكس ما كان يحدث فى السابق حيث
كانت جميع المنازل فى الأعياد تتحول لخلية نحل من كثرة الزيارات بين الناس لتبادل
التهانى بهذه المناسبات.
وفى النهاية لا نملك أن نتهم تباين العصور بأنها المتهم
الأول فى تغير طباع البشر لما هو أسوأ ، ولا نضعها كسبب رئيسى فى عقد مثل هذه المقارنات ،
فالإنسان هو الذى يصنع الأحداث وبقدرته تجميلها أو تطليخها بعار القبح ، وصدق الإمام الشافعى حين قال
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
وللحديث بقية إذا كان فى العمر بقية
