بقلم – محمد مقلد
" مراكز القوى " تلك العبارة التى يرد لذهن القطاع الأكبر من
الناس بمجرد سماعها ، بأنها تمثل ذوات المناصب الرفيعة من أصحاب القرارات داخل
الوزارات والهيئات المختلفة ، وهذا من وجهة نظرى تفسير خاطئ لا يمت لحقيقة هؤلاء
بأى صلة ، فبحكم عملى بمهنة البحث عن المتاعب منذ عام 99 ، عاصرت خلالها مواقف
وأحداث متنوعة ، أيقنت وعن تجربة أن " مراكز القوى " يمثلها من يطلق
عليهم " بطانة السوء " تلك الشبكة العنكبوتية الرهيبة التى تتشعب كسلسة
مترابطة من الصعب أن تقضى عليها إلا بحرض شديد ، بتفكيكها حلقة حلقة وهذا أمر ربما
يكون شبه مستحيل إلا فى حالات نادرة للغاية.
ومن يعرف حقيقة " مراكز القوى " يتيقن بأنهم على رأس الأسباب
التى تؤدى لانهيار أى دولة اقتصادياً وسياسياً ، فهم ببساطة كونوا فيما بينهم شبكة
شديدة الترابط ، تتوغل داخل أى وزارة أو هيئة لتسيطر على مفاصلها بشكل كامل ، شبكة
تقوم على المصالح المشتركة فيما بين أعضائها ، ومن الصعب اختراقها ، ومن يحاول أن
يقترب منها ، يدخل بقدمية لـ " عش الدبابير " ، والخطير فى تلك الشبكة ،
أنها تعمل لحساب أعضائها الشخصى دون النظر إلى الصالح العام ، فأساسها قائم على الفساد
والشر ونهب مقدرات الدولة دون واعز من ضمير.
فعند تقلد أى شخص منصب كبير ، يبدأ أعضاء تلك الشبكة يدرسونه بشكل جيد ،
لاختيار الوسيلة التى تساعدهم فى السيطرة عليه حتى لا يعيق عملهم الشيطانى ، فإذا
وجوده متاح لديهم ، يحاولوا بشتى الطرق أن يورطوه معهم ليدخل شبكتهم ويصبح عضو من
أعضائها ، ولكن ماذا لو فوجئوا بأنه مختلف ينظر لمنصبه على أساس أنه وسيلة لخدمة
وطنه وشعبه ؟ ، وأخلاقه ومبادئه ترفض الخروج عن النص والالتزام بما يحقق الصالح
العام بعيداً عن الأطماع الشخصية ، وقتها سيتحركون جميعاً فى اتجاه واحد ، بأسلوب
خفافيش الظلام للقضاء عليه والإطاحة به من منصبه على أمل أن يأتى لهم شخص جديد
يسقط ضحية لشبكتهم.
وتلك القضية تجعلنى أتذكر أيام الزعيم الراحل أنور السادات ، وما تعرض له
فى بداية حكمه من مناوشات ومتاعب على يد مراكز القوى الذين قويت شوكتهم فى عهد
الراحل جمال عبد الناصر ، فعندما وجدوا أن السادات يسير بالسفينة عكس مصالحهم
وأطماعهم الشخصية ، حاولوا بشتى الطرق إسقاطه ، ووصلت المؤامرة معهم إلى تقديم
استقالتهم دفعة واحدة لإحداث فراغ دستورى لعل وعسى أن تنهار السلطة ويسقط السادات
، والذى نجح بذكائه الخارق أن يستخدم تصرفهم للقضاء عليهم وعلى مراكز القوى وقتها.
ومن النماذج الصارخة على خطورة " مراكز القوى " وجود وزير داخل
الحكومة ، تبين من الأيام الأولى له داخل الوزارة أنه مختلف ، لا يفكر إلا فى العمل للارتقاء
بالوزارة ومؤسساتها ، ووضعها على خريطة التقدم والرقى ، يصول ويجول دون أن يكل أو
يمل حتى يجعل وزارته عامل هام يساعد فى انتشال الدولة من حالة الركود الاقتصادى الذى
أصابها مثلها مثل غيرها من دول العالم عقب وباء كورونا وانتشار الحروب هنا وهناك ،
ولكن طباعه وسياسته الناجحة لم تأتى على أهواء مراكز القوى.
وبدأت تلك الشبكة داخل هذه الوزارة تنسج خيوط المؤامرات لهذا الوزير الناجح
على أمل أن يتم الإطاحة به فى التغيير الوزارى القادم ، وبدأت الوشايات بعقد
مقارنات ظالمة بينه وبين الوزير السابق فيما يتعلق ببعض الأمور التى لاذنب له فيها
، وأى مشكلة تقع داخل الوزارة يتعمدون تضخيمها بصورة كبيرة عن طريق بعض الموالين
لهم بالسوشيال ميديا وغيرها من المواقع ، فضلاً عن الوشايات التى يتعرض لها بما
يصل للقيادة السياسية من أمور مغلوطة عن طريقهم وطريق أتباعهم.
وبصراحة شديدة وبكل أسف وارد بصورة كبيرة أن
ينجح مخططهم ويتم الإطاحة به من الوزارة ، فمراكز القوى يا سادة تأثيرهم قوى ومن
الصعب مواجهتهم ، والقضية بالنسبة لهم مع هذا الوزير ، مسألة حياة أو موت ، فإذا
قررت القيادة السياسية تجديد الثقة فيه واستمر فى الوزارة ، وهذا ما أتمناه لرجل
يراعى ضميره فى عمله قبل أى شئ ، فليس أمامه إلا استخدام مقولة " أنسف حمامك
القديم " حتى يعمل الرجل فى بيئة صحية تساعده على استكمال مسيرته المميزة.
وفى النهاية وبكل صراحة ، أنا أعرف كواليس وأسرار غريبة حول تلك القضية
ولكنى آثرت عدم التطرق لها ، ليس خوفاً من أحد ، فأنا والحمد لله لا أخشى إلا الله
، ولكنى على إيمان كامل بأن الله تعالى لا
يضيع أجر من أحسن عملا ، ومهما كانت نتائج التغيير الوزارى بالإبقاء على هذا الرجل
المحترم فى منصبه أو الاستغناء عنه ، فهى فى النهاية مشيئة مدبر هذا الكون ، ورب
الخير دائماً لا يأتى إلا بالخير.
ولنا لقاء آخر إذا كان فى العمر بقية
