google-site-verification: google954c7d63ad8cb616.html
عيون الخريف عيون الخريف
recent

أخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

وصية الوداع الأخير

 

وصية الوداع الأخير

 


بقلم – محمد مقلد



حياة الإنسان مراحل ، لكل مرحلة أحداثها وظروفها تتنوع ما بين الحزن والسعادة ، مراحل لابد أن تتعلم منها ، لتخرج بدروس تساعدك على النضج العقلى والارتقاء الروحى والنفسى ، تساهم فى تكوين شخصيتك الجديدة لتكون فى أبهى وأنقى صورة تجعلك مستعد للقاء خالقك ومدبر أحوالك ، فإياك أن تتجاهل تلك الأحداث ولا تتأثر بها ، لتساعد نفسك على لفظ كل صفة مشينة لازمتك فى مراحل سابقة لتعوضها بالأفضل لترسم لنفسك خريطة الاطمئنان النفسى وهدوء وراحة البال.

 

وسيأتى عليك وقت تتأكد فيه أن العمر لحظة والدنيا ومضة ضوء سرعان ما تختفى ، ومهما ظفرت من متاع الدنيا وملذاتها فلابد من نهاية لتلك المتعة المؤقتة ، وستجد نفسك بصورة لا إرادية تقف أمام مرآتك ، تتأمل ملامح وجهك  وتلاحظ ما طرأ عليها من تغيير ، وتعترف بينك وبين نفسك ، لقد تغير كل شئ ، اللون الأبيض أحتل ثنايا الشعر ، وتجاعيد الوجه بدأت تفرض سيطرتها ، والأمراض بدأت تتسلل لخبايا هذا البدن ، ولكن السؤال الأهم الذى لابد أن تسأله لنفسك ، هل تغير الجوهر ؟ هل نجحت فى طرد صفات الشيطان من داخل وجدانك ؟ هل نجحت فى تطهير روحك وتنقية أخلاقك من الشوائب العالقة ؟ ، وأعلم أن إجاباتك الصادقة على تلك الأسئلة ستحدد لك ، أين تقف الآن ؟ ، ونسبة رضاك عن نفسك ورضا الله تعالى عنك.

 

كل هذه الأمور دفعتنى لأتذكر ما كانت تقوله لى والدتى رحمة الله عليها ، وأنا بغباء منقطع النظير كنت لا أبالى بكلماتها ولم أعرف فحواها وقيمتها إلا متأخراً للأسف الشديد ، فمع أنها رحمة الله عليها لم تنل قسطاً من التعليم كغيرها ، ولكنها كانت خير معلم لى ، وإن كنت تلميذ فهمه متأخر بعض الشئ ، وتأثرت بوصاياها على مراحل متنوعة من حياتى ،  مع أن حبى لها وصل لدرجة العشق بجميع أنواعه.

 

 ومن هنا نما بداخلى إحساس بأن الله تعالى لم يخلق أمرأة على وجه الأرض غيرها ، فأثر هذا العشق بشكل واضح على علاقاتى بالجنس الآخر ، وجعلنى أهرب من أى علاقة حب سريعاً حتى وأنا فى مرحلة المراهقة ، وربما كان هذا التعلق بوالدتى رحمة الله عليها ، السبب الرئيسى والمباشر لتأخرى فى الزواج ، حتى عندما تزوجت ، كدت أن أنفصل عن زوجتى بعد أسبوع واحد فقط  ، الزوجة التى كان الله فى عونها لأنها تحملت الكثير ولاسيما فى السنوات الأولى من الزواج  ، حتى جاءتني عناية الله وأيقنت أن الحياة لابد أن تستمر ، والعشق لابد أن يكون لله وحده لا لأحد من خلقه حتى ولو كان أعز إنسان على قلبك.

 

ووالدتى كان لها تشبيه غريب لهذه الدنيا ، فعندما كنت فى مرحلة الصبا ، كانت تلح علىّ بصورة مستمرة أن أصلى ، ولكنى كنت أتهرب من ملاحقتها ، وتحاول أن تؤثر علىّ بقولها الدائم ، بأن الدنيا زائلة ، وأن الصلاة والصيام وغيرهما من أركان الإسلام ، والالتزام بهم السبيل الوحيد للخروج فائزاً من هذه الدنيا  ، ومع ذلك كنت لا أبالى بكلامها ولا أعيره أى اهتمام ، فأنا وللحقيقة لم أعرف طريق الصلاة والصيام إلا وأنا فى سن كبيرة ، حتى جاء يوماً توفرت فيه مقادير عمل صنية كيك ، وأحضرت لى قطعة ، وأنا منشغل بتناولها ، كانت تسألنى ، طعمها حلو ؟ فأجبتها بنعم ، وبعد أن انتهيت سألتنى ، هل ما زلت تشعر بحلاوة طعمها ، فقلت لها ، طبعاً لا ، ففوجئت بها تقول ، هكذا هى الدنيا يا ولدى ، طعمها بيكون حلو لفترة قصيرة ، وبعد كده بتختفى حلاوتها.

 

لقد أيقنت بالفعل أننى كنت غافل عما كانت تحاول والدتى رحمة الله عليها أن أتعلمه منها ، أمور عديدة حاولت أن تزرعها بداخلى معظمها والحمد لله أيقنته وإن كان متأخراً بعض الشئ ، ولكن أهم درس تعلمته منها كان قبل وفاتها بعدة ساعات ، فقبل تلك الفترة كان المرض قد حاصرها بشكل مخيف ، ولكن فى يوم الوفاة ، وجدتها انتفضت من رقدتها ، ووجهها أصبح يشع نوراً وروحها تتراقص أمامى ، وفى هذا اليوم نادتنى فجلست بجوارها ، وعندما نظرت لوجهها انتابتنى حالة من الخوف وأيقنت أن ذلك سيكون آخر لقاء يجمعنى بروحى وقرة عينى.

 

وسيظل هذا اليوم محفوراً فى ذاكرتى حتى ألاقى ربى ، حيث وجدتها تقول لى ، خلى همك الأول يا محمد أنك تقرب من ربنا ، قربك من ربنا هيحفظك من كل شر ، أوعى يا ابنى تعتمد على الناس ، أعتمد عليه وحده ، أنا مش هاقولك ، أهتم بمذاكرتك ولا خلى بالك من أخواتك ، لا أنا كل اللى عايزاه منك تصلى وتقرب من ربنا ، اللى بيعتمد على ربنا ، ربنا بيعينوا وعمره ما يخسر أبداً ، ولو أنا مت أعرف أنى راضيه عنك بس بشرط تصلى ، قالت كلماتها ودموعها الساخنة تنساب على وجهها المشرق ، كلمات بدت فى صورة " وصية " قبل الوداع الأخير ، وصية ملخصها " القرب من الله تعالى "

 

وفى فجر هذا اليوم حدث ما توقعته ، فقد شعرت وأنا غارق فى نومى بأن شئ ما بداخلى يهزنى ، فانتفضت مسرعاً وتوجهت لحجرة والدتى ، وكشفت الغطاء عن وجهها ، فعرفت أن الله تعالى بعث برسوله ليسترد روحها الطاهرة ، ومع ذلك ما زالت أمى رحمة الله عليها هى معلمى الأول فى الحياة والتى ألجأ لها عند الضيق والشعور بالألم والمرارة أو الوقوع فى أى مشكلة أو أزمة  ، ويكفينا رسالتها الأخيرة وأنا جالس بجوار قبرها ، بعدما طلبت منها أن تنير لى الطريق لأتغلب على بيئة مفروضة علىّ ولم تشبهنى ، وتصرفات وأشخاص غريبة عنى ، نعم يا أمى ، سوف أنتظر حتى تستقيم الأوضاع وبعدها يفعل الله ما يريد.


 

رحمك الله يا أمى وفى انتظار اللقاء

 

عن الكاتب

عيون الخريف

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

عيون الخريف