بقلم – محمد مقلد
كنت قد اتخذت قراراً بألا أكتب أى
مقالات بالموقع خلال أيام شهر رمضان المبارك ، لأتفرغ للعبادات والتقرب من الله ،
والاكتفاء بروحانيات هذا الشهر الكريم ، ولكن هناك مواقف تكون مؤثرة ، قد تدفعك
للتعديل عن قرارك ، وهذا الموقف بالذات الذى سأتحدث عنه ، كان له تأثير متباين
داخل نفسى ما بين الحزن والسعادة ، ولكنه موقف يكشف معادن بعض الناس المحيطين بك ،
ونظرتهم للحياة بوجه عام.
فأنا من الشخصيات التى ترفض بشكل قاطع أى دعوة لتناول الإفطار خلال أيام
الشهر الفضيل خارج المنزل ، لتمسكى بطقوس خاصة بالعبادات وخلافه مع آذان المغرب ،
ومن الصعب أن أحيد عنها تحت أى ظرف ، ولكننى فوجئت بزميلى محمود عثمان يهاتفنى
ليدعونى على تناول الإفطار فى أحد النوادى الشهيرة ، وحاولت قدر المستطاع أن أعتذر
له ، ولكن لا أعرف ما الذى دفعنى على تغيير السيستم الخاص بى ، والموافقة على
الدعوة ، لاسيما بعدما علمت أن المدعويين مجموعة من الزملاء المحترمين الذين أكن
لهم كل التقدير وعلى رأسهم بالطبع صديق العمر ، تامر عبد العزيز.
عموماً عقدت العزم وتوجهت لمكان الدعوة ، وكانت المفاجأة التى أسعدتنى بشكل
شخصى ، وكانت فرحتى لا توصف ، عندما اكتشفت أن على رأس المدعويين ، زميلنا الجميل
، حسن التايه ، وعرفت أن محمود عثمان قرر مع بعض الزملاء بالورادى ، تنظيم هذا
الافطار للاحتفال بحسن لبلوغه سن التقاعد ، هذا الاحتفال الذى تناساه الجميع ممن
خدمهم هذا الموظف المجتهد طوال فترة خدمته ، وبمجرد رؤيته انتابتنى حالة من
السعادة التى يغلفها شئ من الحزن ، وهذا نفس الشعور الذى قرأته مرسوم بين نظرات
حسن ، فعلى الرغم من فرحته وسعادته التى لا توصف لوجود زملاء يقدرون عطاءه وسنوات
قضاها فى خدمتهم وخدمة عمله ، إلا أنه لم يخف حزنه لتجاهل عدد كبير ممن قدم لهم
خدماته.
وبدأت أسأل نفسى لماذا يهتم الجميع بأصحاب المناصب القيادية عند بلوغهم سن
التقاعد ؟ ، وتجدهم يتسابقون لتنظيم الاحتفالات وتقديم الهدايا لهم ، بينما
يتجاهلون شخص مثل حسن ، أجده أكثر الناس إخلاصاً وتفانى فى عمله ، هذا الرجل الذى
لابد أن نقدم له جميعاً التحية على ما قدمه خلال سنوات خدمته ، فقد كنت أراه يقوم
بعمله الشاق ذهاباً لمقر الشركة والعودة لمكان عمله بالأكاديمية ، وكنت أشاهد مدى
تعبه ولاسيما أيام فصل الصيف ، والشمس المحرقة قد أنهكت قواه تماماً ، ولكنه كان
لا يشتكى ويواصل عمله بكل إخلاص وتفانى.
وحتى أمنح الحق لأصحابه ، فقد كان محمود عثمان مهتم بشكل كبير بضرورة
الاحتفاء بحسن تقديراً لجهوده ، فقبل بلوغ حسن سن التقاعد بأكثر من شهر ، وهو
يطالب الإدارة الخاصة به بضرورة أن يكون هناك احتفاء خاص بحسن ، وبالفعل شاركت
الإدارة بالكامل من موظفات وموظفين فى منح حسن التقدير المناسب لبلوغه سن التقاعد
، فتحية لهم جميعاً لأنهم رسموا البسمة على وجه زميل كان قد فقد الأمل فى أن
يتذكره أحد من زملاءه وهو يكتب السطر الأخير فى تواجده معهم ، أما من تناساه لأنه
ليس من أصحاب المناصب القيادية ، ولن تكون هناك أى مصلحة شخصية ستأتى من الاهتمام
به ، فليس أمامى ألا أن أقول لهم ، حسبى الله ونعم الوكيل.
وقبل الختام لابد أن أقدم كل التحية والشكر لكل شخص فكر فى أن يحتفل بحسن
ويشعره أنه لا فرق بينه وبين أكبر قيادى بالشركة ، وعلى رأسهم الزميل محمود عثمان
، الذى لم يتناسى حسن والدور الذى كان يقوم به لخدمة عمله ، وأدعوا الله أن يجعله
فى ميزان حسناته ، ويكفى أنه كان سبب رئيسى فى الفرحة والسعادة التى ارتسمت على
وجه حسن ، لأنه وجد من يقدره ويشعره بآدميته ،
وأنه لا يختلف عن غيره من الزملاء داخل الشركة مهما كان منصبه ، ومن هذا
المنطلق وجدت أنه من واجبى أن أتقدم بالشكر لمن ساهم فى رسم تلك البسمة على وجه
هذا الزميل الذى خذله وظلمه عدد كبير من زملائه ، وذلك عملاً بقول رسولنا الكريم
" من لا يشكر الناس لا يشكر الله "
