زوجتى والاعتراف بالخطأ

زوجتى والاعتراف بالخطأ
المؤلف عيون الخريف
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



بقلم - محمد مقلد


الإنسان بطبعه يُخطأ ويصيب فى تصرفاته ومواقفه المختلفة ، ووقتما يصيب ، يهلل ويتباهى بنفسه وهذا حقه ، ولكن وقت الوقوع فى الخطأ ، يتوارى خلف خطأه ، يأبى أن يعترف به ، ويقاتل من أجل أن يدفع عن نفسه تلك الجريمة ، وكأن الاعتراف بخطأه سيقلل منه وينال من شأنه ، ويصل به الأمر حتى إلى عدم الاعتراف بينه وبين نفسه بأنه أخطأ ، فهو يرى من وجهة نظره أن الاعتراف بالخطأ دليل على ضعفه ، مع أن حقيقة اعترافه هذا تعكس مدى شجاعته وقوة شخصيته ، وتساهم فى بناء علاقات إنسانية قوية مع الآخرين.

 

فالاعتراف بالخطأ من الأساسيات الخاصة بإعادة تشكيل الذات بالطريقة الصحيحة ، لأنه ببساطة يجعل صاحبه يتفادى مستقبلاً تلك الزلات أو الهفوات التى أسقطته فى براثن الخطأ ، فهى بلا شك عملية تتعلق بالإصلاح وبناء إنسان يعرف ما له وما عليه فى الحدود التى تجعل المتعاملون معه يحترمونه ويقدرونه بالشكل الأمثل ، أما الإنسان الذى لا يعترف بخطأه فهو ضعيف الإرادة ، شخصيته هشة ، تجعله يواصل مسلسل الوقوع فى الخطأ ،  فيكتب بيدية نهاية مأساوية لمسلسله هذا  ، ربما تدفعه للندم ، ولكن أى ندم يشفع له بعدما انتهت الأحداث عند هذا الحد الذى لا ينفع فيه أى بكاء على اللبن المسكوب.

 

ونظرية الاعتراف بالخطأ تتشابك بصورة كبيرة مع طباع نفسية يحكمها الأيجو " الأنا العليا " وفى كثير من الأحيان يسيطر عليها "المظلومية " التى لا مبرر لها ، حيث يلجأ بعض الأشخاص ممن لديهم اضطرابات نفسية معقدة ، للأيجو والمظلومية لإقامة حصون حولهم  لحماية أنفسهم من الحقيقة والاعتراف بالخطأ ، فالأيجو يدفع صاحبه إلى الاعتقاد أن الاعتراف بالخطأ يهدد صورته العظيمة التى رسمها بين الناس ، لذلك لن يسمح له أن يعترف بالفشل فى أى موقف تحت أى ظرف ، و يدفعه هذا الأيجو للصراع القوى والمستميت لإثبات أنه على حق ولم يُخطأ ، مهما كلفه هذا من خسائر.

 

وفى بعض الأحيان يلجأ صاحب الخطأ لطريق المظلومية ليلقى بخطأه على الغير ، فتجده يلبس قناع المظلومية وأنه ضحية للظروف أو المؤامرات أو تصرفات الآخرين ، وأنه يا ولداه لم يُخطأ ولكن تصرفه ما هو إلا رد فعل لظلم تعرض له أولاً ، وتلك المظلومية تدفع صاحبها بشكل دائم إلى الشعور الكاذب بـ " النقاء الأخلاقى " فهو دائماً المجنى عليه حتى لو أخطأ ، ودور الضحية هذا يتحول إلى أساسيات لمعرفته بذاته ، ومن هنا يمثل هذا الدورعائق كبير أمام أى إصلاح أو تغيير للأفضل.

 

وأثبتت معظم الدراسات أن وسائل التهرب من الاعتراف بالخطأ تتباين بصورة كبيرة بين الرجال والنساء ، فإذا كان الرجال يمثلون النسبة الأكبر من النساء فى الهروب من الاعتراف بالخطأ ، فهؤلاء الرجال وسيلتهم تعتمد فى المقام الأول على تفعيل الأيجو لديهم ، وهذا ما لمسته بنفسى عند نشر أى موضوع صحفى يخص خطأ وقع  فيه بعض الرجال ، وقضية النقابة المعروفة خير دليل على ذلك ، فكان الهم الأول لرئيس تلك النقابة وبعض الأعضاء المقربين منه ، إثبات أنهم لم يقعوا فى الخطأ ، مع أن الخطأ واضح وصريح ، فمن وجهة نظرهم ، أن الاعتراف بالخطأ هنا سوف ينال من شخصيتهم ويقلل من شأنهم أمام العاملين ، مما سيضعف من فرصهم فى الاستمرار بمقاعدهم مستقبلاً ، مع أن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه يدفع العاملون ليثقوا فيهم بشكل أكبر وأعمق ، والأهم من ذلك أن يعيدوا ثقتهم فى أنفسهم حتى ولو ضاعت تلك المقاعد الواهية من أيديهم.

 

ومن خلال تعاملاتى مع الجنس الآخر ، اكتشفت أن المظلومية هى الوسيلة الأمثل لهن للتهرب من الاعتراف بالخطأ ، وهذا ما أكدته معظم الدراسات التى أُعدت فى هذا الشأن ، ويعتمدن فى ذلك كما هو معروف على أنهن مكسورى الجناح كما يرددن ، وأنهن ضحايا لتصرفات الآخرين من حولهن ، ويستخدمن الدموع التى تنهمر كالمطر مع حركات جسدية تدل على الضعف والسكينة ، وتكون الغلبة لهن فى معظم الأحيان.

 

 وهذا الأمر يعانى منه معظم الرجال ، وكاتب هذا الكلمات أحدهم ، فزوجتى على سبيل المثال  كانت فى بعض الأحيان ، تقع فى تصرف خاطئ يخص الأبناء أو أى موقف محيط بالأسرة ، وأنا وهى نعرف جيداً أنها من أخطأت ، ولكنها مثلها مثل بقية النساء ، كانت تستخدم أسلوب المظلومية لتثبت بالباطل أنها لم تُحطئ ، وتقنعنى لا أعرف كيف ؟ أن أظل صامتاً أمامها وهى تحاول الهروب من خطأها بدموع لا تنقطع وتقلبات بملامح الوجه تعكس أنها تعرضت للقهر والظلم ، وكلمات تخرج منها لتعزف لحن موسيقى المرأة الحزينة والمظلومة ، وأجد نفسى دون أن أشعر أنا الذى أعتذر لها ، بل وأُقبل رأسها ، وأنصرف وأنا كلى اقتناع بأننى من أخطأت  وليس هى ، لماذا ؟ وكيف ؟ لا أحد يسألنى ، فأنا نفسى ليس لدى إجابة مقنعة فى هذا الأمر ، وأعتقد أن معظم الرجال على شاكلتى لا إجابات لديهم ، ولكن حتى أكون منصف معها ولا أغفل حقها ،  لقد نجحت مع مرور الوقت ومن التجارب والمواقف المختلفة ، فى التخلص من تلك العادة وتعلمت أن تعترف بالخطأ. 


 

ولنا لقاء آخر إذا كان فى العمر بقية  

تعليقات

عدد التعليقات : 0