google-site-verification: google954c7d63ad8cb616.html
عيون الخريف عيون الخريف
recent

أخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

حكاية بسنت



بقلم – محمد مقلد



الانتحار فى حد ذاته يخالف شرع الله أعمالاً لقوله تعالى فى كتابه الكريم  " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله بكم رحيما  " وما ورد فى حديث نبينا محمد " من قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " ، وجميع الدارسات الاجتماعية التى تم إعدادها للحديث عن الانتحار ، كشفت أن على رأس الأسباب المؤدية للانتحار ، الحالة الاقتصادية والإصابة بالاكتئاب وفقدان الثقة فى النفس وفى المجتمع الذى يعيش فيه المقدم على الانتحار.

 

فقد شاهدنا جميعاً خلال الساعات الأخيرة ، البث المباشر الذى قدمته " بسنت " تلك المرأة التى أقدمت من خلاله على الانتحار ، بعدما عددت الأسباب التى أوصلتها فى النهاية لهذا التصرف ، وأعتقد أن كل من شاهده أصابه الحزن ، وانهارت دموعه تأثراً بهذا المشهد المؤلم ، ومن الواضح أن السبب الرئيسى لانتحارها تخلى طليقها عن الإنفاق على بناته ، وتركها وحيدة تصارع أمواج الحياة العاتية ، والظروف المادية الصعبة ، بخلاف ما تعرضت له حسب كلامها من ضغوط نفسية مصدرها بعض المقربين منها.

 

وبغض النظر عن شرعية أو عدم شرعية تصرفها هذا ، ووضع نهاية لحياتها بيديها للهروب من ضغوطها النفسية والحياتية ، فإن إقدام أى شخص على الانتحار من وجهة نظرى ومع احترامى الكامل لجميع الدراسات التى أعدتُ فى هذا الشأن ، سببه الرئيسى البعد عن الدين وعدم اللجوء لله تعالى ، وسيطرت الشيطان على النفس البشرية ، فالله وحده هو المعين وهو السند الحقيقى ، فمن يستجير به تعالى لا يضام أبداً ، وكل الظروف الصعبة فى النهاية هى ابتلاءات من الله ليختبر مدى إيمانك به واعتمادك على لطفه وقدرته على تحويل حياتك كلها من حال إلى حال ، فبأى منطق يختار البعض أن يهرب من تلك الابتلاءات بالتخلص من حياته.

 

والمسألة هنا لا تتعلق بأن لكل إنسان طاقة ، لا وألف لا ، فإن الله تعالى رحمته ولطفه وقدرته فاقت كل ما يستطيع استيعابه العقل البشرى ، واللجوء إليه والإيمان الكامل بقدرته على تغيير مسار حياتك بالكامل ، كفيل بأن يخرجك من الظلمات الدنيوية إلى النور الإلهى بما فيه من طمأنينة للنفس وتفاؤل بما يخبئه الله تعالى لك لأنك اخترت طريق الصبر باللجوء إليه وحده  للخروج من محنتك مهما كانت درجة تلك المحنة.

 

ولا أخف عليكم ، أننى تأثرت بشدة وأنا أشاهد تفاصيل انتحار " بسنت " رحمة الله عليها ، ولكننى رافض بشكل قاطع تصرفها ، مهما كانت المبررات ، فلا يجوز لأى شخص يتعرض لمشاكل مهما كانت درجة صعوبتها ، أن يترك طريق خالقه وسنده الحقيقى ويستسلم للشيطان بهذا الشكل ، وتكون الضحية فى النهاية بناتها أنفسهم ، وأقسم برب يوسف ، أننى أعرف سيدات يمرون بظروف صعبة للغاية ومعظمهن تركهن أزواجهن وتزوجن بأخريات دون حتى أن ينفقوا على أولادهم ، ومع ذلك استعن بالله ويحاربن فى الحياة من أجل أبنائهن.

 

فليس من الطبيعى يا سادة ، أن يمر أى إنسان بظروف اقتصادية أو عاطفية أو حتى اجتماعية صعبة ، يختار طريق الهروب منها بإنهاء حياته تحت أى ظرف ، فأين هنا إيمانك بالله وتوكلك عليه ؟ وأقسم بمن رفع السماوات وبسط الأرض ، كاتب هذه السطور تعرض لابتلاءات وصعاب فى حياته لا يتحملها بشر، مهما وصفتها لكم لن تشعروا بقسوتها كما عاشها هو وذاق مرارتها  ، ويكفى أنه مرت عليه أيام كان لا يتناول إلا وجبة واحدة فى اليوم ، ولا يمتلك إلا طقم ملابس واحد ، عندما يتسخ يقوم بغسله بنفسه ، وينتظر حتى يجف ويرتديه للذهاب للجامعة ، فى الوقت الذى تخلى عنه الجميع ، حتى أقاربه أنفسهم.

 

وأقسم لكم ، أنه كان يومياً وقبل أن يخلد للنوم يلقى برأسه على الوسادة  ودموعه لا تتوقف وهو يناجى ربه ليرحمه مما هو فيه ، وظل صابراً متخذاً من الله وحده سنداً له ، وكان على يقين كامل أن من خلقه لهذه الدنيا لن ينساه أبداً ولن يخيب أمله ، وكافأه الله على صبره ، وتحول من شخص تائه  لا مستقبل له ، إلى شخص مستور برضا الله تعالى عليه ، والغريب أن أقاربه حاولوا التواصل معه بعدها ، ولكن الوقت قد فات بعدما ألقى الماضى بحلوه ومره وراء ظهره.

 

وفى النهاية ليس أمامى ألا أن أدعو الله تعالى أن يغفر لـ " بسنت " ويتجاوز عن ذنوبها ، ويلهم بناتها الصبر على فقدان أمهم ، وأهمس فى أذن أى شخص يتعرض لمشاكل وابتلاءات يشعر أنه صعب عليه تحملها ، وتمثل ضغط على نفسه ، أن يستعين بالله ويقف أمام بابه تعالى  ، فضع ثقتك المطلقة بالله عز وجل ،  فمن يتوكل عليه وحده ، ويطلب العون منه في أموره كافة ، فإن الله يحميه ، وينصره ، ولا يخذله ولا يذله أبداً.


 

اللهم قد بلغت اللهم فأنت الشاهد

 

 

عن الكاتب

عيون الخريف

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

عيون الخريف