بقلم – محمد مقلد
لم
يستغرق اللقاء الأول بينهما إلا دقائق معدودة ، ليكتب القدر السطور الأولى لقصة حب
إفلاطونى من النادر أن تجد لها تواجد في عصرنا هذا ، وأصبحت رواية العشق بينهما حديث
لا ينتهى على ألسنة دائرة المحيطين بهما من زملاء دراسة وجيران وغيرهم من المقربين
، هى تنتمى لطبقة ميسورة الحال ، أما هو فكانت ظروفه المعيشية معقولة بعض الشئ ، يدرس
في السنة الأخيرة بإحدى كليات القمة ، أما هى فكانت طالبة بالفرقة الثانية بكلية
التجارة وإدارة الأعمال وتتمتع بقدر كبير من الجمال والإنوثة.
وكلما
مرت عليهما الأيام كان كل شئ يتغير حولهما ، إلا الحب ، أخذ يتنامى داخل قلبيهما ويفرض نفسه بقوة ، وكأن كل طرف يعيش من أجل
الآخر ، وعلى الرغم من المعوقات التى اعترضت طريقهما ، إلا أنهما نجحا في اجتيازها
، حتى أنهى هو دراسته ، وألتحق للعمل بإحدى المؤسسات الخاصة ، وتم الزواج بينهما
بعد عامين فقط من بداية عمله ، وتمكنا من تحقيق حلمهما بأن يجمع الله تعالى بينهما
تحت سقف واحد لاستكمال مهمتهما في الحياة بسلاح الحب الذى ربط بين قلبيهما.
ومضى
قطار العمر حتى أنجبا طفلتين ، وبدت الحياة تبتسم لهما يحيطها الهدوء والسعادة ،
ولكن كان للزمن رأى آخر ، حيث بدأ الحب وكأنه يتلاشى رويداً رويداً من قلبيهما ،
وسيطر الفتور على حياتهما ، وبدت المشكلات تتفاقم
لتطرد السعادة من عشهما الذى طالما حلما ببنائه ، ليحل محلها الرتابة ،
وتغيرت الزوجة بشكل ملحوظ سواء في تعاملها مع حبيب العمر أو حتى بناتها ، حتى كانت الفاجعة الكبرى ، عندما فوجئ الزوج بعد
ست سنوات فقط من زواجهما ، بأن زوجته تطلب منه الانفصال ، وتناست هذا الحب الكبير
الذى كان حديث معظم الناس ، ولم تراعِ أنها أصبحت أم لبنتين لهما حقوق عليها.
ونزل
طلبها هذا كالصاعقة على رأس زوجها ، وأدهش جميع المحيطين بهما ، فما هو السر وراء
هذا التغير المفاجئ دون مقدمات ، ومع إصرارها الشديد على الانفصال ، وما صحب ذلك
من مشكلات لا حصر لها ليحقق لها زوجها ما تصبو إليه ، وقع الطلاق بالفعل ، بعدما
تنازلت بإرادتها الكاملة عن جميع حقوقها ، بل ووصل بها الأمر أنها أقرت بموافقتها
على أن تعيش ابنتيها مع والدهما بعد الانفصال مع شرط أثبت أنها بالفعل غليظة القلب
، حيث وافقت على عدم رؤيتهما مرة أخرى ، يا له بالفعل من تحول مفاجئ وصادم وتصرف
غريب تفسره السطور القادمة.
الحكاية
باختصار ، أن الزوجة تعرفت عن طريق الانترنت على رجل آخر ، أوهمها أنه رجل أعمال ،
ويمتلك شركة بالقاهرة ولها فرع كبير بدولة
الكويت ، وفيلا بالتجمع الخامس ، هذا بخلاف السيارات ورصيده بالبنوك إلخ ، بدا لها على مواقع التواصل من خلال
رسائلهما معاً في صورة رجل يجمع بين الأناقة والوسامة ووفرة المال ، وبدأ يرسم
أمامها الجنة التى تنتظرها معه ، وظلت علاقتهما في سرية تامة لعدة أشهر ، حتى طلب
منها الانفصال عن زوجها لتستكمل حياتها معه بعد أن أوهمها بحياة الأميرات ، وبمجرد
طلاقها اختفى هذا الرجل ، وأزال جميع حساباته على مواقع التواصل الاجتماعى ، وكأنه
فص ملح وداب كما يقولون.
أعرف
أن البعض من القراء الأعزاء ، سوف يعتقدون من الوهلة الأولى أن تلك القصة من وحى
خيالى ، ولهم الحق في ذلك ، فكيف لقصة حب وصفها الجميع بالحب الإفلاطونى تتبخر بهذا
الشكل ؟ وبأى منطق أم تترك بناتها وتتنازل عنهن بهذه السهولة من أجل رجل آخر مهما
كان ؟ ولكن للأسف الشديد تلك القصة حقيقية وأنا أعرف أطرافها ، وأقف على كل المحاولات
المضنية مع زوجها ليسامحها لتعود مرة أخرى من أجل بناتها ، ومقابلته تلك المحاولات
بالرفض القاطع حتى كتابة سطور هذا المقال.
فنحن
يا سادة ومن واقع تلك القصة أمام مشكلة
اجتماعية خطيرة ، أصبحت تهدد معظم الأسر المصرية ، تكمن في هذا الشيطان الصغير
المعروف بالهاتف المحمول ، ففي وقتنا الحالي أصبح هذا الملعون أحد الأسباب
الرئيسية في المشكلات والخلافات الزوجية بنسبة كبيرة تصل في بعض الأحيان إلى 70%، ،
ويكفى أنه تحول إلى متهم في سبب الانفصال
غير الرسمي بين الأزواج.
حيث
أكدت الدراسات الحديثة ، أن استخدام
الهاتف المحمول بصورة مبالغ فيها له تأثيره السلبى على العلاقة العاطفية ، ويفتح
أمام النساء المتطلعات للحياة المالية الأفضل ، المجال للسقوط في فخ المتلاعبين ، ووجد
الباحثون في الشؤون الاجتماعية ، أن إدمان
الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعى مثل الفيسبوك وتويتر وانستجرام والواتس
آب وغيرهم ، يؤثر بالسلب على العلاقة العاطفية ويسبب ظهور العديد من الصراعات
والمشاكل بين الزوجين.
ومعظم
الدراسات التى تحدثت عن سبب ارتفاع نسب الطلاق ، كشفت أن من بين أسباب الطلاق هذا الشيطان الصغير ، ووصل
الأمر إلى قتل الزوج زوجته بسبب إدمانها متابعة الهاتف لفترات طويلة ، وبسبب كشف
خيانات متعددة بين الزوجين يكون مصدرها الرئيسى الهاتف المحمول.
الدكتور
محمد مبارك، أستاذ علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية كان له رأى راجح فى مشاكل
الهاتف المحمول ، حيث أشار إلى أنه وسيلة اتصال عصرية متواكبة مع التقدم
التكنولوجى ، وحسن أو سوء استغلالها إنما يعود فى المقام الأول إلى تنشئة وتربية
وثقافة الفرد سواء كان زوجًا أو زوجة أو أى فرد آخر ، ويتباين مدى استفادة الفرد
من هذه التكنولوجيا بتباين بيئته وثقافته ومدى وعيه الدينى والخلقى والثقافى
والقيمى .
ومن
وجهة نظرى أرى أن أخطر ما يجلبه الهاتف
المحمول ووسائل التواصل الاجتماعى من مشكلات ، أنه يدفع بعض الزوجات ممن ضاقت
عليهن حال الدنيا ، للمقارنة بين حياتهن وحياة البعض ممن يظهرن على شاشة الهاتف ،
ويجعلهن يحلمن بنفس حياتهن ، دون النظر إلى شرعية أو حرمة حياة هؤلاء ، والقضية في
النهاية ترجع إلى التربية والنشأة الصحيحة وما تولدها من قناعة بما كتبه الله لنا
دون النظر لحياة الغير ، فالهاتف المحمول أصبح العالم الآخر الذى يفتح آفاق
الشيطان أمام البعض ، وبالتالى يكون سبب مباشر في انهيار حياتهم الأسرية.
وللحديث
بقية إذا كان في العمر بقية
